السبت، 2 فبراير 2013

مبادرة الخطيب


الفرق بين مبادرة الخطيب ومبادرة هيئة التنسيق مسألة لها علاقة بالتوقيت والشخصيات وأسلوب الطرح. الهيئة دعت إلى الحوار منذ بداية الثورة في وقت كان فيه النظام يمارس عنفاً ممنهجاً يهدف إلى استجرار الطرف الآخر نحو العنف لأنه كان واثقاً من قدرته على الفوز بالمواجهة المسلّحة. هذه ليست عقلية حوار، والدعوة إلى الحوار في ذلك الوقت كانت غير مناسبة على الإطلاق، وغير حكيمة، وخلقت شرخاً كبيراً ما بين هيئة التنسيق والمجتمعات الثائرة في جميع أنحاء سوريا، خاصة تلك التي تبنّت النضال المسلّح بعد شهور من المعاناة.

يقول غاندي: "من الأفضل أن تكون عنيفاً إذا كان هناك عنف في قلبك من أن تستخدم اللاعنف كسترة تغطي بها عجزك." يخيّل لي أن دعوات هيئة التنسيق المتكرّرة إلى الحوار كانت دائماً تعبيراً عن عجزها أمام المجريات، وأن قسوة الانتقادات التي توجهها الهيئة إلى الثوار تنبع من رغبة موهومة في بناء مصداقية ما مع النظام من خلال إقناعه بالتزامها بالحوار، في وقت باتت الهيئة فيه مقتنعة بأن مصداقيتها مع الشارع معدومة.

لكن دعوة الخطيب تأتي في وقت لايبدو فيه الثوار عاجزين أو ضعفاء، ولايبدو فيه النظام بذات القوة التي كان عليها منذ سنتين، والخطيب شخص وقف مع الثوار منذ البداية ، المسلّحين منهم واللاعنفيين، قد لاتكون له أية سيطرة على الثوار، لكن له احترامه عند شرائح واسعة منهم، والدليل موقفهم المؤيد أو المترقّب من مباردته، وبالتالي عند الخطيب مجال للمناورة هنا، لكنها تبقى محدودة ومرتبطة بأهداف الثورة، وإلا فقولوا عليها السلام.

وفي كل الحالات، المبادرة مصيرها الفشل، لأن النظام ما يزال يحتفظ بقدرته على القصف ومايزال متواجد في معظم المدن الكبيرة في سوريا حتى ولو كان في حالة حرب دائمة ومستمرة فيها، لكن هذا الوضع كافي في هذه المرحلة ليجعله غير مستعد لأي حوار حقيقي. إذاً لن يحدث حوار، وإن حدث فلن يؤدي إلى شيء، لكن لقاء الخطيب مع وزيري الخارجية الروسي والإيراني سيسبب الكثير من القلق للنظام وإن لم يؤدِ إلى أية نتائج إيجابية من وجهة نظرنا، في حين لايمكن للقاء من هذا النوع بمشاركة هيثم المناع أو قدري جميل أو أي من الشخصيات ا لمرتبطة بهيئة التنسيق أن يسبب أي حرج أو قلق للنظام. حتى اللقاءات التي جرت في السابق ما بين شخصيات المجلس الوطني والمسؤولين الروس لم تكن تخيف النظام لأنها لم تجر على أرضية تقبل الحوار من حيث المبدأ، ولأنها جرت في توقيت وظروف مختلفة جذرياً عن الأوضاع القائمة اليوم.

إذاً دعوا الخطيب يتكلّم لنستعيد من خلال محادثاته لغة الكلام ونبني قدراتنا التفاوضية، لأن لملمة ما بعثره الاستبداد والطائفية والغليان لن يتم من خلال المواجهات العسكرية فقط. ما يقوم به الخطيب اليوم هو مجرّد بداية للانخراط الحقيقي في العمليات السياسية التي ستحدّد مستقبل سوريا والمنطقة مع الأيام.

وفي الختام لا مفرّ من التنويه هنا إلى واقع يرغب الكثير منا أن يتجاهلوه لما فيه من مرارة وضبابية، وهو أن سوريا كما نعرفها انتهت، بل المنطقة ككل انتهت، سوريا كدولة انهارت، وهناك دول أخرى في المنطقة ستتبعها في الأشهر والسنين القادمة. لاندري ماذا سيأتي لاحقاً: طائف جديدة؟ أم، وهو الأرجح، سايكس بيكو أو فرساي جديدة، لكن، وإذا أردنا أن يكون لشعوبنا القدرة على التاثير في مجريات الأمور هذه المرة، علينا أن نتعلّم كيف نفاوض، وليس فقط كيف نقاتل. نحن بحاجة إلى نخب وشخصيات سياسية جديدة قادرة على التعامل مع التحديات القائمة والقادمة. في هذه المرحلة، يبدو أن الخطيب في طريقه ليكون أحد هذه الشخصيات، هذا إذا استطاع أن يصمد في وجه حملات التخويف والتخوين التي سيتعرّض لها.