الأربعاء، 6 يونيو 2012

عن التدخّل العسكري في سوريا


أولاً: كلينتون تقول أن خيار التدخل العسكري غير مطروح لأن الكثافة السكانية في سوريا كبيرة وسيكون ثمن التدخل العسكري باهظاً من الناحية الإنسانية. لكن، وكما نعرف، التدخل العسكري سيجلب معه نهاية النظام عاجلاً أو آجلاً، أما الأوضاع الراهنة، فلن تؤدي إلا إلى المزيد من التفتيت في بنية الدولة والمجتمع. السؤال إذاً: هل نحن على استعداد لدفع الثمن الإنساني للتدخّل العسكري؟

ثانياً: التدخل العسكري في سوريا في الظروف الحالية قد يؤدي إلى تسريع عملية التفتيت الجارية هناك، خاصة في غياب رؤية واضحة لكيفية إدارة البلد مستقبلاً، وغياب كوادر قيادية في المعارضة قادرة على التواصل بشكل فعّال مع الشرائح الاجتماعية المختلفة. إن أي تحالف دولي محتمل لقيادة عملية التدخل لن يسمح بفرض سيادة الدولة بالقوة على المناطق ذات الأغلبية العلوية، أو تلك الواقعة تحت سيطرتهم، أو أية مناطق أخرى قد ترفض الالتزام بمبدأ الدولة المركزية، سواء على أساس قومي أو مناطقي، أو من منطلق غياب الثقة بالحكومة الانتقالية. التدخّل العسكري إذاً سيهدف أساساً إلى وقف العنف وربما ملاحقة بعض الشخصيات والعصابات المسؤولة عن الممارسة القمعية والإجرامية، وذلك حتى يتحقق استقرار مبدئي يخلق الظروف المناسبة للعملية السياسية التي ينبغي من خلالها الاتفاق على طبيعة الدولة وتركيبتها الإدارية الجديدة. ومن ناحية عملية، ونظراً إلى الواقع الديموغرافي والأمني على الأرض، واستناداً إلى السوابق التاريخية، من الصعب تخيّل أية عملية سياسية ناجحة في سوريا المستقبل لا تتبنّى مفهوم الدولة اللامركزية كنقطة إنطلاق لأي حوار جدي حول الترتيبات الإدارية الجديدة. في حين أن الفشل سيعني عملياً التقسيم، بصرف النظر عن الموقف الدولي، وهنا لبّ تردّد المجتمع الدولي في التدخّل. فبعد فترة من مراقبة التفاعلات الداخلية من جهة وتحركات المعارضة من جهة أخرى، تكوّنت قناعة قوية عند أطراف فاعلة في المجتمع الدولي أن أية عملية سياسية ستؤدي حتماً إلى التقسيم، بسبب حالة التفتت العملي الذي تحقّق على أرض الواقع وفشل كوادر المعارضة في وضع برامج عملية لإدارة الدولة مستقبلاً أو التعامل بجدية مع مجمل القضايا الحساسة. وفي حال حدوث التقسيم، فإن الأطراف الدولية التي ستكون قد أدارت عملية التدخل في سوريا هي التي ستُلام، ومن هذا المنطلق تردّد هذه الأطراف الملحوظ فيما يتعلّق بقبول موضوع التدخّل العسكري وتعلّقهم بخطة عنان على الرغم من فشلها الواضح. التدخل العسكري إذاً سيبقى خارج إطار الحسابات الدولية بصرف النظر عن تدهور الأوضاع الإنسانية في سوريا، ما لم تتمكّن المعارضة السورية من تبني رؤية واضحة وعملية فيما يتعلّق بطبيعة وبنية الدولة السورية المستقبلية. الكلام في العموميات لايكفي.

ثالثاً: هل الدولة اللامركزية بالضرورة دولة فاشلة؟ وهل نهايتها الحتمية هي بالضرورة التقسيم؟ في الواقع، تتّبع الغالبية الساحقة للدول الديموقراطية في العالم النظام اللامركزي في الحكم، وهذ يشمل دول صغيرة كالدنمارك ودول عظمى كالولايات المتحدة الأمريكية. وفي الولايات المتحدة كل ولاية هي في الواقع دولة State لها علمها الخاص ودستورها الخاص وبرلمانها الخاص بل وجيشها الخاص (الحرس الوطني)، وتتّبع كل دولة/ولاية أمريكية النظام اللامركزي كذلك. ومع ذلك نشأت الولايات المتحدة كدولة قوية وأصبحت أكثر قوة مع الزمن كما نعرف، وموضوع انهيارها غير مطروح حالياً أو في المستقبل المنظور. لذلك ربما علينا أن نتعامل مع مفهوم الدولة اللامركزية على نحو أقل تشنّجاً مما نرى حالياً في أوساط المعارضة، لأن نجاح أو فشل الدولة اللامركزية يرتبط بطبيعة الاتفاقات المختلفة بين المناطق المكوّنة للدولة، وكيفية إدارة الدولة وصياغة القرارات المحلّية والمركزية، وطبيعة التوازنات المختلفة بين مؤسّسات الدولة. على الحوار المتعلّق بهذه الأمور أن يبدأ الآن، بل كان عليه أن يبدأ قبل الثورة، وعلى هذا الحوار أن يجري في العلن، وفي حال نجحنا في التوصل إلى صيغة متفقة حول قضايا من هذا النوع، قد يصبح عندها بوسع الأطراف المعنية في المجتمع الدولي أن تتجرأ على اتخاذ قرار حاسم فيما يتعلّق بموضوع التدخّل العسكري.

رابعاً: إن الرهان على أن التدهور المستمر للأوضاع الإنسانية في سوريا هو الذي سيدفع المجتمع الدولي أخيراً إلى حسم قراره فيما يتعلّق بالتدخل العسكري هو رهان فاشل، ولقد أصبح هذا الأمر واضحاً خاصة بعد مجزرة الحولة. والسبب الذي دفع بعض أطراف المعارضة إلى الرهان على هذا الأمر هو رغبتها في تجنّب الدخول في الحوار الذي أشرت إليه سابقاً، والذي يشمل تقديم الكثير من التنازلات من قبل هذه الأطراف، وتغيير طريقة تفكيرها فيما يتعلّق بطبيعة الدولة وكيفية إدارتها في المستقبل. على هذه الأطراف مراجعة حساباتها الآن وقبل فوات الأوان، لأن العالم لن يتدخّل لينقذنا من مواجهة استحقاقات لاناقة له فيها ولاجمل، خاصة وإن سوريا ليست دولة نفطية، وأن الدول الوحيدة التي لها مصالح اقتصادية وسياسية واضحة وحقيقية في سوريا، وبالتحديد إيران وروسيا، تتحقق مصالحها أكثر في حال بقي النظام (بقيادة الأسد أو غيره) أو زالت الدولة، أي قُسّمت. فدولة علوية مستقرة على الساحل، وهي لن تصبح مستقرة إلا بعد عمليات واسعة من التطهير العرقي، ستبقى عضوياً وديموغرافياً مرتبطة بالمصالح الإيرانية والروسية. بالنسبة لإيران، دولة من هذا النوع ستصبح حليفاً أفضل لها من لبنان تحت سيطرة حزب الله، لأن السيطرة ستبقى دائماً مهزوزة وعرضة للخطر، أما دولة ذات أغلبية علوية ساحقة فلن تكون عرضة لخطر من هذا النوع. هكذا على الأقل ينظر الكثير من صناع القرار في إيران وروسيا إلى الأمور، ولهذا تصرّ روسيا على عرقلة أي قرار دولي بالتدخّل في سوريا ما لم تكن هناك صفقة تعطيها أكثر مما في حوزتها اليوم.