الجمعة، 10 سبتمبر 2010

عزيزي المناضل

مدينة أوغاريت، سوريا

بعض الأفكار والمقترحات الليبرالية لثوار اليوم والمستقبل

عزيزي المناضل،
يسرني دائماً أن أسمع منك، وتغمرني سعادة عارمة عندما أقرأ كلماتك وإن شابها بعض العتب واللوم الذي ربما كان بعضه مُستحقّاً. لكن ما يقلقني في خطابك هو التسرّع في إطلاق بعض الأحكام القاطعة حول ما تسمّيه بـ "المسلّمات" مما قد لايترك مجالاً كبيراً للتحاور، أو... أو لعلّه يفتح الباب على مصراعيه للقيام بمراجعة شاملة لهذه المسلّمات. ففي وقت ليس بوسعنا فيه على ما يبدو أن نتّفق على أي شيء ما خلا ضرورة التغيير، فيما نختلف حول كل ما يتعلّق بآلياته وطبيعته وتوجّهاته، وبالطبع، وقبل كل شيء، في إمكانية تحقيقه ذاتها، تبدو عملية مراجعة المسلّمات نقطة مناسبة وطبيعية للبدء بالتحاور، علّنا نتوصّل إلى تفعيل بعض الأفكار والآليات المتعلّقة بعملية التغيير.

تقول أن لاداعي لاستعجال المواجهة في هذه المرحلة الحرجة وأن الملوك والحكام دائماً إلى زوال لكنّ الشعوب تبقى. هذه لعمري مغالطة كبرى. فالتاريخ ينبؤنا أن الزوال ليس مصير الملوك والحكام فقط، وأن الشعوب والأوطان كلها قابلة للزوال أيضاً. فأين هم، على سبيل المثال،  كنعانيو سوريا، وأين هي سومر العراق؟ لا، لاتقل لي أن سوريي اليوم هم كنعانيو الأمس، وأن بغداد اليوم هي سومر الأمس – شتان ما بين الإثنين. فالشعوب بهويتها وحسّها بالانتماء وليس بشخوصها وتعدادها. وكذلك الأوطان، فهي ليست مجرّد أماكن ورموز بل واقع يُعاش وذاكرة حية، مستمرّة، واعدة – أي ذاكرة حاضر، وليس فقط ذاكرة ماضي. بل عليها أن تكون ذاكرة حاضر أكثر منها ذاكرة ماضي إذا ما أردناها أن تكون حرة.

لقد اندثرت الهوية الكنعانية منذ ألوف سنين، ودُمّرت سومر القديمة بالكامل. إن قدرة البشر على الاستمرار شيء وبقاء الشعوب كشعوب ذات هويّات محدّدة شيء آخر. سوريو اليوم ليسوا كنعانيين، لالغة، ولاثقافة، ولاانتماءاً، وإن انحدروا منهم. وسورية اليوم ليست كنعان الأمس، لاجغرافياً، ولاثقافياً، ولاحضارياً، وإن نشأت في البقعة الجغرافية ذاتها تقريباً. ليست وحدها الحدود التي اختلفت، بل عناصر ومعايير الهوية والانتماء كذلك. العرق والدين واللغة لم تعد عناصر كافية لتحديد الهوية والانتماء في هذه الأيام، هناك بلاشكّ عناصر جديدة على الساحة. ماهي؟ هذا هو السؤال، وإنه لعمري سؤال كبير وواسع تتطلّب معالجته أبحاثاً كثيرة، لكن يكفي أن أنوّه هنا إلى تنامي الانتماء الطبقي كعنصر جامع لأفراد ومجموعات من شتى أنحاء العالم على اختلاف لغاتهم وأصولهم العرقية والقومية والدينية، فقد يكون لهذا الأمر دور كبير في تشكيل وصياغة التفاعلات والصيرورات العالمية في النصف الثاني من هذا القرن، خاصة في أواخره. وإن شابت روح الماركسية تعليقي هذا، فمن قال أن الليبراليين لايقرأون ماركس ويوافقون على بعض استنتاجاته؟

وعود إلى بدء أقول: نحن في عصر تجد فيه الشعوب والأوطان نفسها أكثر عرضة لخطر الزوال من حكامها. قد لاتزول اللغات والأديان في هذه المرة، على الأقل، ليس بشكل سريع ومباشر، لكن الفاعلية التاريخية والقدرة على التأثير على الصيرورة التاريخية ذاتها هي ما قد يزول، مما سيمهّد الطريق إلى المزيد من التشرذم في الهوية والحسّ بالانتماء، وفي ختام المطاف إلى ظهور أنماط ثقافية جديدة قد لاتكون بالضرورة أكثر تقدّماً ورقيّاً من حيث سوية الوعي والمعرفة من سابقاتها. ففي غياب الرؤية والمشروع، وفي غياب الزخم الناتج عن تفاعل إيجابي مع مجريات الأمور، لايمكن لعملية فرز جديدة أن تساهم في بناء صروح ومؤسّسات حضارية جديدة، ولن تشكّل الكيانات الجديدة التي ستظهر على الساحة عنصراً محرّضاً ومساعداً على التقدّم، بل على العكس ستكون معيقاً ومحبطاً له. وبوسعنا في هذا الصدد أن نتكلّم عن "طلبنة" أو "صوملة" ما، حتى وإن لم نكن نتكلّم بالضرورة عن بلد ذي أغلبية عربية أو إسلامية، لارتباط هذين المصطلحين بصور أبلغ تعبيراً عن مضامين ما نتحدث عنه هنا من أية كلمات. ومما لاشكّ فيه هنا أن لغياب الحرية، بأبعادها السياسية والفكرية، وبالتالي غياب المسائلة وروح الإبداع، دور كبير وخطير في تحديد طبيعة عمليات الفرز الجارية، وما إذا كانت تمثّل عمليات بناء حضاري أم تفتيت هويّتي ومعرفي وبنيوي ومجتمعي.

لذلك كله، تشكّل عملية استعجال المواجهة، ضمن حدود المعقول طبعاً وإلّا لكانت المواجهة بالضرورة خاسرة، محاولة ضرورية على طريق درء مخاطر الانهيار البنيوي والهويّتي الشامل الذي تقودنا إليه أنظمتنا الحاكمة بالتعاضد مع التيارات الفكرية الداعمة لها وتلك الناجمة عن استبدادها وفسادها كردود أفعال عدمية ويائسة، لا تلبث أن تصبح عوامل إضافية تساهم في تفعيل وتسريع عملية الانهيار.

نحن في سباق مع الزمن إذاً، وليس فقط لانقاذ ما يمكن إنقاذه، بل لتحويل احتضارنا الحالي إلى مخاض حقيقي يمكّننا من العودة إلى ساحة التاريخ كقوى فاعلة من جديد بالمعنى الإيجابي البنّاء، إذ ما يزال هناك، في رأيي، فرصة حقيقية لتحقيق ذلك. ولنا مع هذا وقفات عديدة في مستقبل حوارنا.



عزيزي المناضل،
إن حسّ البشر بالانتماء في حالة تغيّر دائمة، والهوية لم تكن يوماً ثابتة أو مطلقة أو أحادية الجانب، بل غالباً ما اتصفت بمرونة ما وعبّرت عن نفسها من منظور نسبي بل وتعدّدي. نحن لانلمّح هنا إلى الأقنعة المختلفة التي يرتديها البشر في سياق حياتهم اليومية، بل إلى الأحاسيس الأعمق التي تؤثر على وعيهم، بل لاوعيهم أيضاً، علاوة على تصرفاتهم الأكثر دلالة على تكوينهم النفسي العميق. ولعلّ بقاء البشرية ونجاتها من الأخطار حتى الساعة كان دائماً مرهوناً بقدرة مكوّناتها المختلفة (عشائرها، قبائلها، شعوبها وأممها) على تغيير هويّاتها الخاصة عند لزوم الأمر، وإن كان هذا التغيير بالذات على المستوى النفسي من أصعب أنواع التغيير التي يمكن للبشر أن ينخرطوا بها.

والتحدي الماثل أمامنا اليوم يتعلّق بمدى قدرتنا على تعديل هويتنا وإعادة صياغتها من خلال كسر انغلاقنا الفكري والثقافي وانفتاحنا على المشاركة من جديد في صياغة الصيروات الحضارية الدولية كقوى فاعلة وليس كأدوات في أيدي القوى الفاعلة.

عزيزي المناضل،
نصيحتي لك أن تنحّي الكبرياء والعواطف جانباً عند معالجتك للأمور. نحن نتعامل هنا مع ظواهر موضوعية تستحق منا معالجة موضوعية. إن تضارب المصالح والحضارات سنّة الحياة، وعلى مستوى معيّن، مستوى المؤسّسات الصانعة للحضارة، لابد من رابح وخاسر، أما على مستوى البشرية كأعداد فالكل يستمر. الهزيمة لاتؤدي إلى الإبادة بالمعنى المادي، ولاحتى بالمعنى الثقافي بالضرورة، هذا إذا ما قامت الثقافات المهزومة بمراجعة نفسها ونجحت في استخلاص الدروس المناسبة من تجاربها. وفي معركة الشرق والغرب كساحتين فارزتين للحضارة والصيروات الحضارية، بات من الواضح اليوم أن الشرق خسر ليس المعركة وحسب، بل الحرب كلّها، هذا طبعاً، إذا أردنا أن ننظر إلى الأمور من المنطلق الإيديولوجي السائد عند كل الأطراف اليوم. والغريب في الموضوع هنا هو أن النظر إلى التاريخ على أنه مواجهة ما بين غرب وشرق، وهي النظرة التي باتت جميع التيارات الفكرية تجمع عليها اليوم، هي رؤية غربية صرفة نشأت عن الظروف الخاصة التي رافقت بروز الحضارة الغربية المعاصرة على الساحة التاريخية. ولكن، ولأن هذه الرؤية أصبحت هي المقبولة اليوم عند جميع الأطراف في الغرب والشرق، حتى عند أعداء الغرب الإيديولوجيين، إن لم نقل خاصة عندهم، أصبحت المواجهة على المستوى النفسي حقيقية، وأصبح الاعتراف بالهزيمة بالنسبة لشعوب الشرق أمراً ضرورياً كجزء من عملية علاج ومراجعة نفسية للذات تمثّل خطوة على طريق عودة هذه الشعوب إلى ساحة الفعل الحضاري. فالحضارة الغربية هي الحضارة التي باتت اليوم مسؤولة عن تشكيل وتفعيل كل القوى المؤثرة في العالم، ولاتشكّل عملية الرفض السائدة في بعض الأوساط لهذا الواقع إلا رداً انفعالياً قادراً على التدمير لكنه غير قادر على إفراز أية بدائل حقيقية يمكنها أن تساهم في إعادة تشكيل الصيرورات العالمية الأساسية بأي حال من الأحوال. أما قدرته على إنتاج بدائل محلّية فلاتعني شيئاً، لأن خصوصيتها سرعان ما تعزلها أو تدفعها إلى مواجهة عدمية مع باقي أرجاء العالم (كما هي الحال في الصومال وأفغانستان وبورما وكوريا الشمالية، على سبيل المثال لاالحصر).

من ناحية أخرى، ليس من الضروري أن يأخذ اعتراف شعوب الشرق بالهزيمة الحضارية منحاً مباشراً في التعبير عن نفسه. ولعلّ طريقة الصينيين وغيرهم من شعوب آسيا الشرقية والجنوبشرقية في التعامل مع هذا الواقع خير دليل على قدرة الشعوب على صياغة أساطير جديدة  تمكّنهم من إجراء عملية الأقلمة المناسبة دون أن يمسّ ذلك بحسّهم بالكرامة القومية (ضمن حدود معينة طبعاً). ولعلّ في المحاولات المتكرّرة للتيارات الإسلامية في ربوعنا، بكل ما في الأمر من إشكاليات وتناقضات ومغالطات، ربط النهضة الغربية العلمية بسوابق إسلامية ما أو نصوص قرآنية، من منطلق الإعجاز العلمي، تمثّل طريقة أخرى في محاولة الشعوب الشرقية الإسلامية تقبّل واقع انتصار الغرب الكافر على "خير أمة أخرجت للناس" مع المحافظة على حسّها بالكرامة والتفوق الحضاري.

لكنّا وإذا ما أردنا أن نتبنّى مقاربة أكثر أكاديمية وموضوعية للصيرورات الحضارية، فعلينا أن نعترف أن إطروحة المواجهة لم تعد بهذا القدر من الأهمية هذه الأيام، لأن فوز الغرب لم يؤدّي فقط إلى نهاية التاريخ كمفهوم إيديولوجي وفلسفي، بل أيضاً إلى نهاية الجغرافيا كمفهوم إيديولوجي وفلسفي، فالغرب وحضارته أصبحا كليّا الوجود والتأثير، بصرف النظر عن كيفية تعامل المجتمعات مع هذا الواقع من حيث القبول والرفض، إذ مايزال الرفض حتى اليوم، بأشكاله المختلفة، انفعالياً بحتاً، أما القبول المشروط على الطريقة الصينية أعلاه فينبع من شروط نفسية أكثر منها مادية، أي أنه ينبع من إصرار صيني على أن ماهو كائن هو عبارة عن استمرار وإعادة استنباط لما كان. لكن الواقع أنه ليس كذلك، فماهو كائن وقائم اليوم يختلف جذرياً عما كان قائماً وكائناً أمس، أي قبل الاحتكاك مع الغرب، وماهو قائم وكائن اليوم هو في الواقع نتاج صرف لتقنيات وأفكار وآليات ومنهجيات وطرق إنتاج وتوزيع وتسويق غربية المنشأ كلها. وإن كانت النهضة الحضارية الغربية قد تأثّرت بادئاً ذي بدء وإلى درجة كبيرة باحتكاكها مع الشرق، الأوسطي منه خاصة، فالغرب استطاع، ومنذ نهضته الصناعية على أكثر تقدير، تجاوز الفوائد المعرفية المباشرة والغير مباشرة لهذه المؤثّرات، ليبني صروحاً معرفية وحضارية ومؤسساتية غربية خالصة من حيث المنشأ والمؤثّرات والمكوّنات. وبالتالي، وبغض النظر عن كيف بدأت المعركة، فهاهي قد انتهت وأصبح بذلك الصراع الذي نشهده اليوم صراعاً داخلياً وثقافياً بحتاً تتكشّف جولاته ضمن إطار حضارة واحدة يبدو أنها قادرة على الاستمرار لفترة طويلة قبل الانهيار.

عزيزي المناضل،
لو حدث أن انهارت الحضارة العالمية في هذه المرحلة بالذات، فسيشكّل انهيارها عملية ارتكاس و"طلبنة" أو"صوملة" عالمية ولن يؤدّي إلى بروز حضارة جديدة في أي وقت قريب، بل ستكون البدائل من الناحية السياسية استبدادية وشمولية في معظم الأحيان وستعيش في حالة صراع مستمرة مع العالم الخارجي أوفي عزلة عنه. قد لا تظهر حضارة جديدة في الشرق إلّا بعد مرور عقود من الزمن، ومن المرجّح أن تكون في هذه الحال قروسطية الطابع، لأن أحد الشروط الأساسية في تشكيل الحضارات يتطلّب توفّر البيئة المادية المناسبة لذلك، أي المناخ المناسب، ومصادر المياه الكافية، إلى آخرها من شروط مادية لقيام الحضارات. لكن الشرق المعاصر، خاصة شرقنا الأوسطي، ومن منطلق بيئي بحت، لم يعد يشكّل بيئة مادية مناسبة لقيام الحضارات وهو بالكاد قادر على توفير الطعام والشراب لشعوبه اليوم، فما بالك بالغد البعيد. ولعلّ في توجّه دول الخليج نحو إفريقيا وآسيا لشراء الأراضي الزراعية وتخصيصها لإطعام شعوبها دلالاته الواضحة في هذا الصدد. وإن نوّه البعض إلى أن توجّه دول الخليج في هذا الصدد هو توجّه نحو مناطق أخرى في الشرق، فذلك لأن أبواب الغرب تبقى مقفلة حالياً في وجه عمليات من هذا النوع والتي لن تسمح طبيعة الأنظمة السياسية القائمة في الغرب لها أن تبقى بعيدة عن الأضواء كما يحدث في الدول الإفريقية والآسيوية المعنية. لكن، ماذا سيفعل الشرقيون يا ترى، الأوسطيون منهم والأقصويون، عندما تتجاوز احتياجات شعوبهم الغذائية قدرة أراضيهم الصالحة للزراعة على سدّ هذه الاحتياجات، الأمر المتوقّع حدوثه ابتداءاً من النصف الثاني من القرن الحادي والعشرين حسب بعض التقديرات؟ في الواقع ودون اندماج حقيقي بالغرب وتبنًّ كامل لتقنياته وآليات إنتاجه، ودون مساهمة أكثر فعّالية وجديّة في صياغة قراراته المصيرية، خاصة تلك المتعلّقة بآليات التوزيع، لن تتمكّن شعوب الشرق من الاستمرار، وستنهار معظم دول الشرق ومجتمعاته، بغض النظر عن مدى قوتها العسكرية. 

من ناحية أخرى، من الصعب تصوّر طرح رؤى جديدة للمستقبل أفضل من تلك المستنبطة من الشرعة العالمية لحقوق الإنسان والمواثيق المماثلة والمتمّمة والمتمثّلة في صرح الديموقراطية الليبرالية الذي هو بمثابة القلب النابض لحضارتنا المعاصرة، وهو الأمر الذي أشار إليه فرانسيس فوكوياما في كتابه الجدلي الأشهر: "نهاية التاريخ والإنسان الأخير." والشيء الوحيد الذي تبقّى لنا اليوم للقيام به في هذا الصدد هو التوصّل إلى تطبيق وتمثّل أفضل وعلى نطاق أوسع لهذه الأفكار مما هو كائن حالياً، وهو تحدّ معقّد بحدّ ذاته.

ولاشكّ أن حضارتنا المعاصرة ستشهد الكثير من التحوّلات مع الزمن، لكن التحوّلات المستقبلية لن تُعرّف على أسس جغرافية تقليدية، فهي لن تكون شرقية أو غربية، شمالية أو جنوبية. ويقتضي طرحي الليبرالي الخاص وبكل بساطة تبنّي ما جاءت به الحضارة الغربية المعاصرة من مثل وشرائع والمضي بها قدماً لأن تطبيقها على المستوى العالمي مايزال قاصراً ومجتزءاً. 

Post-1990 Huntington's major civilizations (Western is colored dark blue).


عزيزي المناضل،
نعم، يشكّل انتصار الغرب الساحق في هذه المرحلة بالذات، مرحلة العولمة، نهاية للجغرافية وللتاريخ، كما سبق ونوّهنا، وبالتالي نهاية للغرب ذاته كمفهوم مستقل من خلال تحوّله إلى كيان كلّي الانتشار و/أو التأثير. إن كل صراعات العالم اليوم أهلية وكل تفاعلاته داخلية. لكن نهاية الجغرافية والتاريخ لايعني في هذه المرحلة الباكرة بالذات نهاية الوعي بهما، لافي الغرب ولافي الشرق، لافي الشمال ولافي الجنوب. ولقصور الوعي في هذا الصدد تجلّيات وانعكاسات عدة، منها:

1)    استمرار تصّور وتصوير الصراع العالمي الحالي على أنه صراع بين كيانين مستقلّين، في حين أنه لايزيد عن كونه صراع مصالح بين فئات ونخب بعينها عبرت مصالحها الحدود كلها وتشابكت وتداخلت،

2)    استمرار الربط مابين الهوية والدولة وتعريف الدولة على أسس قومية و/أو دينية عوضاً عن الأسسس الوظيفية،

3)    استمرار العقلية الوصائية عند شعوب الغرب التقليدية فيما يتعلّق بالحضارة المعاصرة على الرغم من تقصيرهم في تمثّل مبادئها فيما يتعلّق بالعلاقة مع الآخر، سواء كان هذا الآخر مقيماً في الشرق الجغرافي أو بين ربوعهم ملاجئ أو مهاجر شرعي أو غير شرعي، وهو التقصير الناتج عن الخوف أو نشوة النصر أو تأصّل النزعة العنصرية عند الكثيرين،

4)    سيطرة الخطاب الضحيوي (من الضحيّة) على الأنماط التفكيرية والنفسية لمعظم شعوب الشرق والجنوب، مما يعرقل عملية تقبّل الحضارة المعاصرة والمشاركة الفاعلة في تطويرها ويسهم بالتالي في تهميش دور هذه الشعوب ويسّهل عمليات التفتيت والطلبنة الجارية فيها من خلال استغلاله من قبل الفئات المستبّدة الحاكمة ودعاة النزعات الارتكاسية، من إسلاميين وقوميين وغيرهم. 

وبالفعل، يسهم تفشّي الشعور بنشوة النصر عند البعض، وبمرارة الهزيمة عند البعض الآخر، في تفعيل حالة من العمى المؤقّت فيما يتعلّق بالمضامين والمعطيات والاحتمالات الجديدة التي تجلبها الحضارة المعاصرة. إذ تحول نشوة النصر دون تمثّل حقيقي لمبادئ الحضارة الغربية في تصرفات أبناء الحضارة الغربية التقليديين حيال إخوانهم الجديد. في حين تحول مرارة الهزيمة دون تبنّي حقيقي لمبادئ الحضارة الغربية من قبل شعوب الشرق، وفي تضيع وقت ثمين في خداع النفس من خلال البحث عن بدائل متوهّمة والتحسّر وجلد الذات.

عزيزي المناضل،
إن إحدى المهمات الأساسية للشعوب الشرقية المعاصرة تكمن في تحرير الحضارة الغربية العالمية المعاصرة من محدودية وعنصرية وعنجهية شعوب الغرب التقليدية، وهذا من حقّنا وواجبنا كأبناء هذه الحضارة الجدد. وعلينا أن نحرّر هذه الحضارة أيضاً، حضارتنا العالمية المعاصرة، من براثن أبطال الخطاب الضحيوي، خاصة المنافقين منهم، الذين يجدون في تكريس وجودنا كضحايا وتجذير العقلية الضحيوية مصدر قوة وتمكين لهم، على حساب تفتيت هويتنا وحسّنا بالانتماء، وتغييب قدرتنا على المشاركة في صنع القرارات وبناء صروح جديدة لها تمثّلنا كشعوب ذات ثقافات خاصة. ولهذا التفتيت والتغييب أبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية طبعاً، التي سبق ونوهّنا إليها من خلال مصطلحي الطلبنة و الصوملة.

إن المضامين الحقيقية للشرعة العالمية لحقوق الإنسان وغيرها من الشرائع والقوانين الدولية في عصر العولمة هذا، عصر الحضارة الواحدة ذات الثقافات المتعددة، تقتضي فكّ الارتباط مع الوقت ما بين الهوية والدولة، بل مابين الهوية والجغرافية.  لا، ليس من المطلوب هنا أن نقتل مشاعرنا وانتماءاتنا القومية والدينية والطائفية، المطلوب هو فكّ ارتباط هذه المشاعر بالدولة وإيجاد أقنية أخرى للتعبير عنها كالفن والفكر والرياضة، وفي حدود معينة السياسة أيضاً مع التقيّد بحدود وقواعد العمل الديموقراطي، ولعلّ عصر العولمة قد أطلق هذا الفكّ ببعده الاقتصادي.

عزيزي المناضل،
إن المواجهة الجارية ما بين العقلية الانتشائية (أي تلك القائمة على النشوة بانتصار الحضارة الغربية على منافسيها) والعقلية الضحيوية (أي تلك القائمة على استبطان الهزيمة والتذمّر المستمرّ منها واستغلالها لتجييش الشعوب والسيطرة عليها)، لاتترك مجالاً لأي حوار عقلاني حول أي من القضايا الأساسية العالقة، بل إنها لاتترك مجالاً للتصرفات العقلانية في هذا الصدد. ففي إطار هذه المواجهة، يجري أحياناً تبادل غريب للأدوار، فنرى المنتشين بالنصر يتكلّمون بلغة الضحية عند تعرّضهم لضغوط بعينها (ديموغرافية، ثقافية، إرهابية)، أو لأي انتقاد لسياساتهم المنتهجة، في حين نجد أصحاب الخطاب الضحيوي يتكلّمون بلغة المنتشي المتعجرفة، بعد كل عملية إرهابية "ناجحة" لمجاهديهم، بغض النظر عن الثمن المبذول والذي سيبذل على حساب الشعوب التي ينطقون باسمها ويدّعون الدفاع عن حقوقها وما هم في الواقع إلّا شركاء في انتهاكها، وعند كل إخفاق أو انتكاسة لعدوهم، حتى في حال لم يكن لهم أية علاقة بتحقيقها ولم يكن لها أي أثر حقيقي على مجريات الأمور على المدى البعيد.

لكن المشكلة الحقيقي تكمن في قيام مؤسّسات وأنظمة ومصالح بحالها بُنيت على أساس هذين الخطابين، الانتشائي والضحيوي، ولهذا، لايمكن لنا أن نتوقّع زوالهما عن الساحة بسهولة. ومع ذلك، وبالنسبة لنا، تكمن مشكلتنا الأكبر، أو، لنكن أكثر دقة، المشكلة التي يتوجّب علينا التعامل معها أولاً، في الخطاب الضحيوي لانتشاره الواسع في ربوعنا، ولتوظيفه من قبل الأنظمة والحكام الأكثر فساداً واستبداداً في منطقتنا في قمعهم المستمر والممنهج لشعوبهم وفي جهودهم  الدؤوبة الرامية إلى صرف انتباهها عن إخفاقاتهم المتكرّرة في مجالات التنمية التي تمثّل التحدي الحقيقي الذي يتوجّب علينا التعامل معه. فباسم المقاومة والصمود والتصدي والكرامة الوطنية، إلى غيرها من المسمّيات، تشنّ أنظمتنا الحاكمة معاركها في الداخل والخارج لا لأي هدف غير استمرار الفوضى وتحقيق المكاسب الآنية من خلالها، في عملية تسمح لهم أحياناً بالتلاقي مع بعض السياسات التي تنتهجها القوى الانتشائية، أو تضعهم في مواجهة معها في أحيان أخرى. لكن الخاسر الأكبر في معظم الأحيان هم الشعوب. إن نهايات كتلك التي تعرّض لها شاه إيران وصدام العراق ماتزال استثناءاً لقاعدة ستبقى راسخة في منطقتنا طالما بقيت النخب المعارضة غير قادرة على التواصل مع شعوبها واكتساب ثقتها للقيام بما يسمح لها بإطلاق وقيادة ثورات تغييرية حقيقية، وطالما استمرّت حالة التخبّط المتعلّقة بترتيب الأولويات.

ولايجب أن يعمينا وقوع هذه المواجهات بين الحين والآخر عن طبيعة هذه الأنظمة ولا أن يدفعنا إلى تغيير أولوياتنا المتعلّقة بإسقاطها، فإسقاطها يبقى هو الخطوة الأولى الحقيقية نحو التحرّر الحقيقي والتمية المنشودة.

Shiva


عزيزي المناضل،
إن استمرار أديان وروحانيات الشرق، واعتقاد البعض في الغرب بفوقية هذه المعتقدات الشرقية على نظيراتها الغربية لايتناقض مع مقولة موت الشرق كمصدر حضاري. لأن الحضارة المعاصرة لا تؤسّس نفسها على دين بعينه بل على مبدأ حرية الاعتقاد. وما كل من في وما في الغرب مصدر ودليل تنوّر. إن انتصار الحضارة الغربية ليس انتصاراً لكل شيء فيها أو لكل ممارساتها، بل للمُثُل التي جاءت بها وللمؤسّسات التي قامت عليها، التي جاء حصيلة مراجعة شاملة لكلّ ما سبق من تجارب إنسانية في الشرق والغرب. فنهضة الغرب لم تحدث بشكل إعتباطي، والطبيعة العالمية للحضارة الغربية لم تأتِ نتيجة انتصارات  عسكرية واقتصادات قوية وحسب، بل نتيجة استبطان وقراءة وتجاوز لكل ما سبق من مكنونات وعوامل حضارية.

من ناحية أخرى، ليس كلّ مؤسّسة منتصرة بالضرورة أخلاقية، فالجدارة المادية شيء، والجدارة الأخلاقية شيء آخر. ومع ذلك، يبقى انتصار الغرب عموماً دليلاً على تفوّق أخلاقي وقيمي للمُثًل والمؤسّسات القانونية الغربية، علاوة على كونه دليلاً على تفوّق المؤسّسات السياسية والاقتصادية الغربية من الناحية العملية. وإن كانت الشعوب الغربية ماتزال تقع في فخّ الانتهاك المتكرّر لمُثُلها، فهذا شيء طبيعي وجزء لايتجزّأ من الطبيعة الإنسانية نفسها، وتجسيد لفشل الإنسانية المأساوي والمستمرّ في الارتقاء إلى مستوى المُثُل والقيم المنبثقة عن تجاربها.

عزيزي المناضل،
مشكلتنا أن ذاكرتنا في حالة فوضى عارمة لاتسمح لنا بالتركيز لفترة طويلة من الزمن على موضوع واحد، ولاتسمح لنا بتوضيب الأمور وسلسلتها بشكل منطقي. فنحن ننسى مثلاّ أن للخارج دور كبير في قيام الأنظمة ودعمها، أو ربما أننا لانفهم أو نريد أن نفهم مضامين ذلك، لكنها واضحة لمن يريد أن يرى: التغيير في سورية أو في أي دولة في منطقتنا الأوسطية لايمكن أن يجري بمعزل عن الخارج، أو بدون موافقة خارجية ما، حتى في حالة الثورات الشعبية. فدعونا لاننسى في هذا الصدد دور الضعوط الغربية على شاه إيران في تحقيق سقوطه، إذ ربما دون هذه الضغوط لتجرّأ الشاه على التحرّك عسكرياً ضد أعدائه على نحو أكبر وأوسع مما فعل، مما كان يمكن له أن يسقط مشروع الثورة ككل. وفي الواقع يقتضي ميزان القوى بأبعاده وجود دور قوي للمجتمع الدولي في دعم عمليات التغيير. وتحدّي هذا الميزان لايتأتى عن طريق مواجهات شاملة وعدمية على طريقة القاعدة وغيرها من الحركات الجهادية، بل عن طريق صياغة أكثر واقعية للأولويات والآليات المستخدمة، وعن طريق تنسيق فعّال مابين حركات المعارضة في الداخل والخارج، أي عن طريق تبنّي دبلوماسية ذكية من قبل حركات وأطراف المعارضة، فالدبلوماسية لاينبغي لها أن تبقى ميداناً للأنظمة الحاكمة واللاشرعية فقط.

ولعلّ تردّد بعض أطراف المعارضة في اتباع مقاربات من هذا النوع عائد لضعف إمكانياتها المهنية في هذا الصدد، أي لكونها غير مؤهّلة للضلوع بأدوار ونشاطات من هذا النوع، لا من الناحية المهنية ولا من الناحية الثقافية، فالتعامل مع المؤسّسات الدولية ليس بالأمر السهل ويتطلّب خبرة كبيرة تساعد على معرفة  متى تضغط وكيف تضغط، خاصة في ظل ميزان القوى إياه والذي يضعنا دائماً عرضة للتلاعب مالم نكن حذرين. لذلك ترى الكثير من الشخصيات المعارضة تشعر بالتهديد والتهميش عند بروز شخصيات على الساحة تحسن هذه اللعبة، وهذه مشكلة كبيرة طالما هدّدت حركات المعارضة عامة والشرقأوسطية خاصة.

كيف نتعامل مع الرموز التي ضحّت والتي قد لاتملك مع ذلك المؤهلات المناسبة للقيام بنشاطات معينة وضرورية لنهضة المعارضة على الساحة الخارجية، بل وللتواصل مع  الساحة الداخلية بأسلوب يتناسب مع الواقع الديموغرافي الجديد الأكثر شباباُ والمختلف ثقافياً؟ وكيف نتعامل مع النرجسيات المختلفة التي تجعل عملية التنسيق بين حركات المعارضة أكثر صعوبة من أي اختلاف فكر وإيديولوجي؟ وكيف نتعامل مع اختراق الأنظمة وبراعتها في زرع الخلافات؟ كل هذه أسئلة لابد من الإجابة عنها، أو تحديات لابد من التعامل معها أو الالتفاف حولها.



عزيزي المناضل،
لامكان لمانديلا في ثقافتنا السياسية والاجتماعية العربية: مانديلا عرف متى وكيف يقود ومتى وكيف يتخلّى عن القيادة، والشخصيات المحيطة به عرفت كيف تحترمه وتقتدي به دون أن تصبح تابعة له، متماهية فيه، وعاجزة بدونه: هناك تجربة ثقافية وتاريخية سمحت لها بذلك.

من ناحية أخرى، لقد كان خطاب مانديلا خطاباً تحريرياً محضاً، لامكان فيه للكثير من الكلام عن ضرورة استعادة أمجاد غابرة أو إحياء تقاليد اندثرت. الحرية كانت هاجس مانديلا الأعظم، والتنمية كانت هاجسه الثاني. في حين يبدو أن المجد هو هاجس الغالبية العظمى ليس لمعارضينا فقط بل لكل نخبنا الفكرية والسياسية. ولاشكّ أن للإسلام دور كبير في ذلك، لأن نظرته الكونية تضع الأمة في مركز التفاعلات والصيرورات التاريخية، الأمر الذي يتعارض مع الواقع القائم اليوم، ويجعله مرفوضاً من منطلق ديني ووجودي ثقافي وحضاري وليس فقط من منطلق إنساني وتنموي. وفي حين كان يمكن لهذا الرفض من الناحية النظرية أن يلعب دوراً إيجابياً في تفعيل العمل التغييري، إلّا أن طبيعته الانفعالية على أرض الواقع والبعد الشوفيني المتأصل عند شعوب المنطقة نتيجة لقرون من العزلة العملية عن باقي شعوب العالم رجّحت كفّة التعامل السلبي والعدمي مع التحديات القائمة.

وإن كان وضع أولوية العمل الاجتماعي أولاً يبدو منطقياً من الناحية النظرية، علينا أن لانتجاهل في هذا الصدد معطيات تجربتنا التاريخية المعاصرة، والتي تدلّ وبوضوح على قيام النظام بالتلاعب على وتر التشدّد الديني من أجل تحييد أية عملية تطوير مجتمعي وانفتاح سياسي. بمعنى أننا نعرف تماماً وبالأدلة القاطعة ومن خلال المعاينة اليومية للأمور أن استبداد وفساد وتلاعب النظام الحاكم هو عامل أساسي، إن لم نقل العامل الأساسي، في خلق وتمكين التيارات الأكثر تشدّداً، فكيف نتعامى عن هذا الواقع وننجرف وراء شعارت يردّدها النظام ولايريد بها إلّا الحفاظ على تركيبته الأساسية كما هي على حساب التنمية المجتمعية الحقيقية المتكاملة التي نحن أمسّ الحاجة إليها؟

عزيزي المناضل،
هناك لحظات تمرّ على الإنسان عليه أن يقرّر فيها بين أمرين لاثالث لهما، فإما أن يكون محرّكاً للتغيير ومحفّزاًعليه أو عبئاً على كاهله وعقبة في طريقه. ونحن في منطقتنا المأزومة اليوم نمرّ في لحظة من هذا النوع، فاختر بعناية لأن المعركة قادمة والمواجهة باتت محتومة لأنها مواجهة مع القدر.

لكن مصائرنا كشعوب لن تتحدّد فقط بمصائر الملوك، وربما كان التحدّي الماثل أمامنا اليوم هو أن نعمل على فكّ أي ارتباط ما بين مصائر ملوكنا ومصائرنا كأفراد وشعوب.

عزيزي المناضل،
الصبر علي البلاء لا يكون صبراً ما لم يتصاحب بالعمل على رفعه، وإلا كان تخاذلاً وانهزاماً. إذ ليس بوسعنا أن نفرّق ما بين قضاء الله وقضاء العباد ما لم نمتحن هذا القضاء وباستمرار، فالقناعة والرضى لا يجوزا إلا مع العمل، وإلا فلن يزيدان عن كونهما خمولاً واستسلاماً  وخنوعاً.

عزيزي المناضل،
في موقعك الذي لايزال يسمح لك بالتأمّل، ويضمن لك رفاهية الحيرة والتحيّر لوهلة أخرى من الزمن على الأقل، قبل أن تحسم قرارك فتصبح إسلاميّ الهوى، أو يساريّه، أو يمينيّه، أو براجماتيّه، مدفوعاً برغبتك في الانخراط في القضية، تلك القضية  التي لامجال للتشكيك في وجودها، لأنها باتت جزءاً من الموروث ومن الذاكرة العامة المشتركة، فهي قضية شعب، بل شعوب، ورغبتها في التحرّر من عبودية التخلّف والفساد والاستبداد، ومن استعمار فقر الروح والجسد وسياسات التجهيل والإفقار المصكوكة من قبل نخب لم يعد عندها ما تخافه، من آلهة، أو مثل، أو ضمائر، في موقعك ذاك الذي ماتزال ترزح فيه، طوعاً أو غصباً، والذي يسبغ عليك متعة التمحيص الناقد لكلّ شيء، وربما الرافض لكل شيء، لبرهة أخرى على الأقل، في ذلك الموقع الاستراتيجي، والذي قد يحسدك البعض عليه، والذي لاشكّ أنك ستندم لهجرك إياه مستقبلاً، بين الفينة والأخرى، عليك أن تدرك جيداً أنك لست في مأمن من سلطة أفكار الغير على عقلك ووجدانك، أو في منأى عن مغريات اللاانتماء، ومخاطر الانعزال حتى التوحّد، بل حتى الوحشة والتوحّش.

اللاانتماء، اللاموقف هو نمط آخر من المترسة لايقل سميّة عن المواقف الإيديولوجية التي تنفر منها. أن تقول أنك مكتفٍ بانتمائك إلى الإنسانية لاينفي الحاجة إلى تبني أو تشكيل وجهة نظر خاصة فيما يتعلّق بمنجزاتها ومآسيها، وإلى العمل من أجل الارتقاء بها نحو الأفضل دائماً، والنأيي بها عن حافة الهاوية. أليس هذا هو جوهر القضية؟ قرفك لايعفيك من مسؤوليتك: من ضرورة الخوض في معترك الحياة، بشأنها العام والخاص، وفي مجالاتها ومسالكها المختلفة، أي نعم، بما فيها السياسية، مهما بدت لك وعرة وقذرة. التعفّف هو وجه آخر للجبن والأنانية.



عزيزي المناضل،
لايمكننا أن ننتظر حتى يصل الناس إلى سوايا متقاربة من الوعي لكي نبدأ بالعمل من أجل التغيير الاجتماعي والسياسي. وليس بوسعنا أن نعمل من أجل نشر التوعية المنشودة في ظل الأوضاع القائمة، وإلا بقي عملنا نخبوياً، ومحصوراً ضمن الدوائر التي خلصت إلى ذات النتائج. ومهما فعلنا، التاريخ ينبؤنا أن ما كل الناس تقرأ، وما كل من يقرأ يفقه، وما كل من يفقه يعمل، أو يخلص إلى النتائج ذاتها، لذا ستبقى وجهة نظرنا دائماً جدلية، وسيبقى عند الناس آراء وسويات مختلفة من الوعي، وقلّة فقط من سيتمكّنون من تمثّل المبادئ التي يدّعون حملها في تصرفاتهم اليومية. أليست هذه هي المشكلة التي نعاين في مثقفينا: أقوالهم تنم عن إخلاص لمبادئ معينة لكن تصرفاتهم وأفعالهم تتناقض غالباً وبشدة مع هذه المبادئ؟

إذاً، وفي سياق فشل المثقفين أنفسهم في تمثّل المبادئ والتوصّل إلى الوعي المنشود الذي يسمح بالتسامي فوق الانتماءات الإيديولوجية الضيقة والمصالح الفئوية والأنيّات الفردية، كيف سيكون الحال مع "العامة؟" وكيف يمكن أن ننقل الوعي المنشود إلى "العامة" من دون الانخراط في العمل العام، وهو الأمر الذي تحدّ منه الأنظمة القمعية بتجلياتها الاجتماعية والسياسية والدينية؟ وهو الأمر الذي يجبرنا بالتالي على الخوض في غمار متاهات العمل السياسي بأجوائه المحمومة والمحتقنة دائماً وأبداً.

لامفرّ لنا إذاً من العمل بالتوازي على المحاور كلها، هناك أولويات، نعم، وهناك هدف أسمى، علينا أن نتفقّ عليها ضمن دوائرنا على الأقل، لكن الاكتفاء بالعمل على محور واحد: محور العمل المتعلّق ببناء وعي إنساني متسامٍ فوق الإيديولوجية، هو انهزام وتهرّب في حال ترافق مع إدانة العمل على المحاور الأخرى وإدانة العاملين على تلك المحاور والتقليل من أهمية النشاطات المتعلّقة بهذه المحاور.

عزيزي المناضل،
لاتنجرف وراء عواطفك الشرقية، ولاتعارك طواحين الهواء، هناك معارك أهم في حاضرك ومستقبلك من معارك الماضي، لقد ولّى الماضي بمعاركه، ولم تعد معركتك من أحل الشرق وأهله، بل من أجل العالم ككل وخيره، وهذا لعمري تقدم ونصر. إن هزيمة الشرق ليست هزيمة للشرقيين ولا انتصاراً للغربيين بل تطور ناجم عن صيرورات موضوعية تتجاوز الجغرافية. النصر هنا هو لفكر جديد مايزال يبحث عن هوية. ومعركة الشرق ضد الغرب والغرب ضد الشرق كانت دائماً متوهّمة، لأن المعركة الحقيقية كانت وستبقى مع الذات، وكل من أحسّ بمرارو الهزيمة ونشوة النصر ما يزال لايفقه شيئاً عن الميدان الحقيقي للمعركة والطبيعة الحقيقية للصيرورة التي هو جزء منها، ألا وهي: محاولة البشرية المستمرّة لإيجاد هوية لنفسها منفصلة عن الألقاب والمسمّيات والشعارات والمصطلحات، محاولة للتحرّر من الحدود كلّها. 

عزيزي المناضل،
إن قبولنا بالحضارة الغربية على أنها الحضارة الوحيدة الفاعلة على الساحة اليوم هو الخطوة الأولى نحو تجاوزها، ونحو تجاوز إشكالية الشرق-الغرب المصطنعة، في عودة طال انتظارها للتواصل مع إنسانيتنا المغيّبة ولتحليل قضايانا الوجودية من هذا المنطلق الأساسي. لأن الإشكال الحقيقي الذي ما انفكّ يواجهنا، واليوم أكثر من أي وقت مضى، بسبب طبيعة الصيرورات الموضوعية التي تجمعنا، هو إشكالية الإنسان-الكون.

أين هذه الإشكالية من خطابك وفكرك اليوم؟