الثلاثاء، 25 مايو 2010

ليبراليٌّ أنا، إخشوني!

ملاحظة: تم إضافة الصور إلى المقال في وقت لاحق، لذا فقد يكون تاريخ الصور أحدث من تاريخ نشر المقال

(1)

يتعرّض التيار الليبرالي العربي، هذا إذا جاز لنا في هذه المرحلة أن نسمي الجهود الفردية المتفرّقة والتي ما تزال تحاول جاهدة مأسسة نفسها بالتيار، إلى حملة هجوم إعلامية عنيفة هذه الأيام يكاد المرء يشعر معها أن الليبراليين هم المسؤولون عن كل ما في المنطقة من ويلات وانتكاسات وصراعات وهزائم، هذا بالرغم من أن قدرة الليبراليين على التأثير على أية من القرارت المصيرية في المنطقة كانت دائماً محدودة وذلك منذ بدايات عصر اليقظة في مطلع القرن العشرين وحتى اليوم. وإذا كانت بعض النخب الليبرالية قد لعبت دوراً هاماً ومصيرياً في تسهيل عمليات التحرّر من الاستعمار الغربي في منتصف القرن العشرين، إلا أن نجاحهم في هذا الصدد كان أكثر ارتباطاً بعلاقاتهم مع الغرب وقدرتهم على التواصل معه منها بنجاحهم في بناء قواعد ليبرالية في الداخل، وهذا ما يفسر انهيارهم السريع نسبياً في عصر الاستقلال (من الاستعمارالخارجي على الأقل).

وفي الواقع لم يتمكّن الليبراليون حتى اللحظة من احتفار مكانة راسخة لأنفسهم على ساحة صنع القرار في المنطقة، بأبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ناهيك عن تكوين تيار شعبي حقيقي مؤيد لطروحاتهم، وذلك بعكس ما نجح الإسلاميون واليساريون والقوميون على اختلاف مشاربهم في اجتراحه على مدى العقود الماضية.

فلمَ وعلامَ يُلام الليبراليون إذاً؟ هل لأنهم ميّزوا أنفسهم منذ البداية بنزعتهم البراجماتية التي تناقضت تماماً مع الميول الإيديولوجية لمنظّري التيارات الأخرى؟ وهل لأنهم بحكم المولد والنشأة ينتمون في الغالب إلى الطبقات الاجتماعية الأوفر حظاً فيما يتعلّق بالتحصيل العلمي والمهني، في وقت تتزايد فيه باطراد نسبة الفقر في المنطقة بسبب فساد واستبداد حكامها وإهمالهم لشؤون واحتياجات دولهم ومجتمعاتهم التنموية وانشغالهم بتأجيج الصراعات وعقد الصفقات الفاوستية في الداخل والخارج؟ وهل لأنهم نجحوا عبر السنوات القليلة الماضية في بلورة رؤياهم الخاصة لمستقبل المنطقة وفي وضع الخطوط العريضة لفلسفتهم؟ وهل لأنهم تمكّنوا مؤخراً من بناء قواعد صغيرة في الداخل والخارج قد تسمح لهم، بعد طول انتظار وعمل وشقاء، بالقيام بتحرّك جدّي يتواصلون من خلاله مع شعوبهم ومع مؤيدي طروحاتهم المحتملين حول العالم؟ وهل لأنهم أصبحوا أخيراً منافسين حقيقيين للتيارات الأخرى على ساحة النضال السياسي، ومتحدّين أكثر جدّية للأنظمة الحاكمة، بالمقارنة مع ما كانوا عليه في السابق على الأقل؟ ربما كان الأمر كذلك بالفعل. وربما كان الأمر مجرّد محاولة جديدة من قبل منظّري التيارات الأخرى لتفادي ضرورة القيام بمراجعة جدّية لأفكارهم وطروحاتهم ورؤاهم، من منطلق الإدمان على اجترار الأفكار والمفاهيم المهترئة ذاتها مصحوباً بخوف حقيقي من التغيير، إن لم نقل رُهاباً وعجزاً حياله. على أية حال، وبصرف النظر عن الدوافع الكامنة وراء الحملة الراهنة ضدّ حَمَلة لواء الليبرالية في المنطقة، يبدو من الواضح أن السنوات القليلة الماضية شهدت تطوّرات هامة على صعيد الحراك الليبرالي استدعى تكثيفاً للحملة الإعلامية المناوئة لهم.

لكن، وقبل مناقشة ما نجح الليبراليون في تحقيقه عبر السنوات الماضية، وطبيعة الحملة القائمة ضدهم، ربما كان من الأنسب أن نبدأ بالتطرّق لأسباب فشلهم سابقاً، وطبيعة رؤيتهم التي بدأت بالتبلّور مؤخّراً.

إن فشل الليبراليين التاريخي في ترسيخ وتجذير توجّهاتهم الخاصة في مجتمعاتهم وفي خلق مدّ شعبي حقيقي لها يعود في الواقع لأسباب عدّة، أهمها كون كل طروحاتهم على الإطلاق خارجة تماماً عن السياق الثقافي والحضاري للمنطقة حتى لحظة الاختراق (وربما الاغتصاب) الغربي لوعينا في أوائل القرن التاسع عشر. فالليبرالية في الواقع نتاج خالص للفكر الغربي والحضارة الغربية. وإذا كان الأمر ينطبق إلى حدّ كبير كذلك على الأفكار والتوجّهات اليسارية والقومية والإسلامية المعاصرة، إلا أن أصحاب الفكر اليساري تمكّنوا عبر العقود الأولى للقرن العشرين من إيجاد روابط بين فكرهم وبين بعض الأفكار والتقاليد السائدة، خاصة فيما يتعلّق بمفاهيم العدالة الاجتماعية والمساواة، مما سمح لهم بتمويه الجوهر الغربي لفكرهم من خلال إكسائه بعباءة محلّية المظهر. أما أصحاب الفكر القومي، فاكتسبوا مصداقيتهم من خلال اللعب على وتر اللغة والثقافة العربية وأصالتها الظاهرة.

وطبعاً ليس من الغريب أن يتمكّن مروّجوا الفكر الإسلامي المعاصر من طرحه على الساحة على أنه الفكر الأكثر أصالة أو حتى الفكر الأصيل بالإطلاق. لكن، هنا بالذات تكمن إشكالية هذا الطرح الأساسية. فالفكر الإسلامي المعاصر في الواقع جاء هو أيضاً نتيجة تأثّر مؤسّسيه وأتباعه العميق بالحضارة الغربية وتياراتها الفكرية والسياسية المختلفة، وخاصة التيارات اليسارية والفاشية. ولعلّ الكثير من أفكاره اليوم لا تزيد عن كونها نسخ ولصق لأفكار ومفاهيم جاء بها الغرب من خلاصة تجربته التاريخية الخاصة.[1]  ولايوجد ما يعيب في ذلك بالضرورة، إنما العيب في الاعتقاد بأن تأصيل المفاهيم وهضمها لا يتطلّب أكثر من تغيير اعتباطي لاسمائها واستبدالها بمصطلحات إسلامية الوقع، من دون الدخول في مراجعة مستفيضة للمفاهيم الإسلامية على ضوء المعطيات التاريخية الجديدة، وهو خطأ يقع فيه القوميون أيضاً فيما يتعلّق بطروحاتهم الثقافية بالذات والتي تتقاطع مع رؤية الإسلاميين العرب للأمور.


لكن العيب الأكبر يكمن في عدم قدرة الإسلاميين على الاعتراف بوجود دور إيجابي ما للفكر والحضارة الغربيين في عودة الفكر الإسلامي إلى الساحة كقوة فاعلة من جديد، ربما لأن اعترافاً من هذا النوع يتنافى مع الطرح الإسلامي الذي يضع الإسلام والأمة في مركز الكون ويرى أن أية علاقة تفاعلية إيجابية مع الآخر بما فيها من "أخذ وعطاء" تنطوي على انتقاص ما لكمال الإسلام ومركزيته الكونية ولدور الأمة الحاسم كالآمر بالمعروف والناهي عن المنكر. وتكمن إشكالية هذا الطرح الأساسية في تحويله الفعلي للإسلام والمسلمين إلى كائنات طفيلية، تأخذ ولا تعطي، وترفض التعامل مع الآخر إلا من منطلق فوقي وسلطوي بحت. وما لم يجد منظّروا التيارات الإسلامية تفسيرات للإسلام تسمح برؤية ندّية للآخر تشرعن لا وجوده فحسب، بل قدرته على أن يكون مصيباً في آرائه أيضاً وقادراً على العطاء والمساهمة في المسيرة والصيرورة الحضارية دون أن يتّهم بالتعدّي أو باغتصاب مكانة تاريخية وكونية ليست له، فستبقى علاقتهم بالآخر محكومة بالصراع المستمر، مما سيؤخذ كبرهان على صحة الاتهام التقليدي للإسلام بأنه دين سيف. وإذا لم يستطع الإسلاميون إنتاج ونشر تفسيرات من هذا النوع في هذه الحقبة التاريخية بالذات التي شهدت موت الحضارة الإسلامية التقليدية، فمتى إذاً؟ وكيف يمكن للنهضة أن تتم؟ ومن أين يأتي "البعث؟"[2]

ويتعارض هذا الموقف الإسلامي والعروبي من الأصالة مع المقاربة الليبرالية لها والتي لا تحصر مفهوم التأصيل على ما يأتي به الموروث، بل ترى في الإبداع  مصدراً أكثر مشروعية وصدقية للأصالة. فالأصالة، بالنسبة لليبراليين، تنبع من فعل المرء وعمله في كل لحظة، مع الاحتفاظ للموروث بدور رافد وداعم، وليس بالضرورة مؤسِّس أو بديل. فبالنسبة لليبراليين، لايعدّ الإيمان الأعمى بالموروث أصالة، بل استسلاماً وخنوعاً، ولقد كان هذا الاستسلام والخنوع  هو أحد الأسباب الرئيسية التي مهّدت الطريق لموت واندثار الحضارة الإسلامية التقليدية. وفي الواقع تكاد علاقة الليبراليين مع الموروث العربي والإسلامي للمنطقة أن تكون معدومة، ليس من المنطلق المعرفي بالضرورة، ولكن من منطلق الارتباط والتكوين النفسي والعاطفي. إن انتماء الليبراليين للعروبة والإسلام هو انتماء لغوي وجغرافي في جوهره، أي انتماء محض عرضي لا يصلح لأن يكون أساساً لرؤية سياسية معينة، أو لهوية بعينها.

هنا يكمن جوهر التناقض الظاهر في الفكر الليبرالي العربي المعاصر، والتي تجعل قبوله، خاصة على المستوى الشعبي الواسع، أمراً يكاد يكون مستحيلاً في هذه المرحلة التاريخية على الأقل. إذ أنه ينطوي إلى حدّ ما، وفي ظلّ السيطرة المستمرّة لعقلية الصراع والتنافس على الوعي المعاصر لشعوب الشرق والغرب على حساب النظرة الموضوعية للأمور والتي ترى في ظاهرة نشوء واندثار الحضارات جزءاً طبيعياً من الصيرورة الإنسانية لامجال فيها للانتقاص من إنسانية أحد، على اعتراف بخسارة، وربما هزيمة، ثقافية وحضارية الطابع لصالح الحضارة الغربية، على علاّتها، الأمر الذي يدعو إلى ضرورة البدء من جديد ببناء أنفسنا كبشر مستفيدين من التجارب التي أثبتت جدّيتها على الساحة، وليس من منطلقات عقائدية أو عاطفية بحتة، لأن الشعوب لا تموت بموت حضاراتها، بل بموت رغبتها على التأقلم والإبداع، وفقدانها لثقتها بقدرتها المستمرّة على الإنطلاق والبناء من جديد. فكما أن انتماء الليبراليين العرب إلى العروبة والإسلام يبقى انتماءاً عرضي الطابع، كذلك هو انتمائهم إلى الحضارة الغربية وانفتاحهم (النقدي) عليها: الإيديولوجية ليست هي الدافع والمحرّك هنا، الواقع، أو الواقع كما يراه ويوصّفه الليبراليون على الأقل، هو الذي يلعب هذا الدور. والواقع هو أن كل التفاعلات والصيرورات والتطوّرات والمؤسّسات التي تحكم وجودنا في هذه المرحلة التاريخية بالذات منشأها الغرب، وهو المستفيد الأكبر منها حتى اللحظة. والواقع أنه لم يعد هناك من مكان أو فكرة أو صيرورة ما في هذه المرحلة تجري "خارج" الغرب بتركيبته العالمية التي أوجدها عبر القرون الخمس الماضية. وبالتالي، لاتوجد إمكانية حقيقية لفرز أو إنتاج أية بدائل لما هو قائم إلا من داخل ومن خلال ما هو قائم، فلن يكون بوسعنا التعويض عن نواقص الحضارة الغربية إلا من خلال المشاركة في تطويرها لتصبح أكثر انفتاحاً علينا وتقبّلاً لنا ولدورنا ومصالحنا كشعوب. إن القبول بواقع عالمية وشمولية الحضارة الغربية من حيث نفوذها وتأثيرها علينا وقدرتها على تشكيل الصيرورات المختلفة لحياتنا هو نقطة بداية التحوّل في حياتنا، ونقطة بداية عودتنا إلى ساحة العمل الحضاري كفاعلين ومشاركين، لا ضحايا وعوائق وعوالق. لقد ولدنا في كنف الحضارة الغربية، ونحن أولادها أيضاً، تماماً كنظائرنا في أوروبة وأمريكا، ومن حقّنا انتقاد نواقصها، ومن حقّنا السعي للمساهمة في تطويرها، ومن حقّنا المطالبة بالتمتّع بكافة مزاياها عن طريق المساهمة في إعادة هيكلة النظام العالمي السياسي والاقتصادي التي بنته على مدى العقود الماضية.

من ناحية أخرى، وإذا كان مقدّراً للحضارة الغربية أن تموت يوماً، وهذا أمر طبيعي، فليس من الحكمة في شيء أن نربط نهضتنا المنشودة بهذا التطور المحتمل والذي لا نعرف متى يحدث وماذا سينجم عن حدوثه. وليس من الحكمة أيضاً أن نربط مصيرنا بالعمل على التعجيل من حدوثه، لأن الشعوب الحية تربط نفسها بقدرتها على البناء والتجديد والمساهمة في صنع الحضارات، وليس بأي رغبة في جلب الدمار والخراب، سعياً للانتقام والتشفّي.

Statueof George Washington in the Capitol Hill rotunda. (Alex Wong/Getty)

لكن، قد يتسائل البعض هنا أنه، وإذا ما كانت الأصالة تنبع من عمل المرء وليس من الموروث، كما تدّعي الليبرالية، أين الليبرالية إذاً في الدعوة إلى تبنّي موروث الغرب كما هو؟ قد يبدو هذا الاعتراض وجيهاً للوهلة الأولى، لكن الليبراليين لا يدعون في الحقيقة إلى التخلّي عن موروث لصالح آخر على نحو اعتباطي أو إلى تبنّي موروث الغرب كما هو دون أية محاولة لتطويره، بل يدعوا الليبراليون إلى تحرير مفهوم الأصالة من موروث تاريخي معيّن، ويدعون إلى الانفتاح على الموروث الإنساني ككل، والاعتراف بالواقع الذي نواجهه، مهما بدا غريباً وقاسياً ورافضاً لنا في هذه المرحلة، مع مراجعته نقدياً على ضوء تجاربنا الخاصة، خاصة تجاربنا المعاصرة والتي ساهمت في تكوين وعينا المعاصر أكثر من غيرها. وباختصار، الأصالة بالنسبة لليبراليين تنبع من عملية التفاعل مع الموروث وليس من الموروث ذاته. 

إن متطلّبات نهضتنا كشعوب باتت بحاجة إلى مقاربات أكثر عقلانية وبراجماتية لأزمة التنمية والهوية في المنطقة، ولأن محاولة إعادة اختراع العجلة ليست دليلاً على الذكاء أو القدرة على الإبداع أو الأصالة، بل هي مؤشّر على حالة الرفض العميقة التي ما زلنا نعاني منها حيال الواقع الماثل أمامنا في هذه المرحلة، وهي حالة لاعقلانية لم تسهم حتى اللحظة إلآً في تعميق هذه الأزمة مضيفة إليها إشكاليات الاستبداد والفساد السياسي (الذي ما انفتأ يبرّر نفسه باسم المقاومة والتمترس والتصدي)، علاوة على تفكّك الروابط الاجتماعية التقليدية في جوّ لا يسمح بطرح بدائل مدنية يمكنها أن تسدّ الفجوة وتردم الصدع، وتبني جسوراً جديدة للتواصل والتطور والتقدّم والنمو. فالجوهر الحقيقي للرؤية الليبرالية يتلخّص في التنمية وليس في "التغرّب،" الأمر الذي يشكّل وسيلة فقط، وإن كانت ضرورية، لتحقيق الغاية المرجوّة، وهي: اللحاق بالركب الحضاري المعاصر والمشاركة في صنع الحضارة المعاصرة، عن طريق استكمال مسيرة التحرّر من الاستبداد والفساد والتخلّف.

إن علاقة الليبراليين العرب مع الثقافة والحضارة الغربية إذاً علاقة قبول نقدي لاخنوع وتقليد أعمى أو تأييد غير مشروط لكل سياساتها تجاه كل ما هو آخر. فالليبراليون العرب يدركون تماماً نواقص وتناقضات الحضارة الغربية في هذا الصدد، ويدركون أيضاً أنهم مطالبون كأبناء عرب لهذه الحضارة بالسعي الحثيث لسدّ هذه الثغور وللمساهمة في تطوير وتقوية أسس الحضارة الغربية لتصبح قادرة على التعامل بأريحية وقبول أكثر للمعطيات والمؤثّرات الثقافية للوافدين الجدد إلى ربوعها والمعتنقين الجدد لأفكارها ومبادئها.

ومن هذا المنطلق، وقف الكثير من الليبراليين العرب، على سبيل المثال، موقفاً منتقداً وبشدّة لقرارات منع الحجاب والبرقع والمآذن التي شهدها عدد من الدول والعواصم الغربية، على خلاف الموقف الذي تبنّاه الكثير من علمانيي اليسار في المنطقة والمهجر، واللذين يبقى ارتباطهم بالعلمانية عقائدياً صرفاً، ولايرون ضيراً في أن تفرض مبادئ العلمانية فرضاً من خلال القوانين، بصرف النظر عن تناقضها مع العقائد الدينية والحريات الشخصية. لكن الليبراليين العرب يعاينون الأمر هنا من منطلق حقوقي بحت، ويعطون الأولوية لحرية الاعتقاد، ويرون أن الدولة والمجتمع مطالبان بإيجاد صيغ توافقية أكثر قدرة على تلبية رغبات واحتياجات الجماعات الدينية المختلفة، بصرف النظر عن موقف الليبراليين كأفراد من طبيعة المعتقدات الدينية لهذه الجماعات. 

من ناحية أخرى، يقف الليبراليون إلى جانب حرية التعبير فيما يتعلّق بقضية الرسوم الكاريكاتورية التي سخرت من رسول الإسلام، بصرف النظر عن طبيعة النوايا الكامنة وراء هذا التطور واعتبارات التوقيت المتعلّقة به، ورؤية الليبراليين التاريخية ومواقفهم الفردية الخاصة من الإسلام ورموزه (فآرائهم في هذاالصدد متنوّعة إلى حدّ كبير)، ويرون أنه على المسلمين التأقلم مع هذا النوع من النقد الساخر الذي لايهدف على الإطلاق إلى مراعاة مشاعر أحد، بصرف النظر عن انتماءاتهم الدينية، بل ربما يهدف إلى الإساءة إليها، لالشيء بالضرورة إلا لإثبات حقيقة بسيطة، وهي أن حرية الاعتقاد والتعبير في الدولة المدنية هي المقدس، وليس معتقد بعينه. فالقانون المدني لايمكن أن يتحيّز لدين أومعتقد على حساب آخر، ولايمكن أن يهدف إلى حماية مشاعر ومقدّسات أحد دون غيره. فكل المعتقدات الدينية في الواقع تطرح أفكارها في أحيان كثيرة بطريقة تسفّه فيها معتقدات الآخرين وتسخر منها ومنهم، والكتب المقدّسة، بما فيها القرآن، تذخر بالكثير من العبارات القاسية حيال المعتقدات التي تجدها مرفوضة، وحيال معتنقيها، دون القيام بأدنى محاولة لمراعاة مشاعر أحد، بل ربما كانت الإهانة هي الهدف. فالكل يسخر من الكل، والكل يسخر من مقدسات الكل، والسخرية هي طريقة إنسانية قديمة قدم الدهر في التعبير عن النفس لا يمكن الامتناع عنها أو تجريمها دون التعدّي على حريات أساسية للجميع.

ويجب أن لاننسى هنا أن التراث الحضاري لكل شعب من الشعوب يذخر بالكثير من الحكايات والنكت التي تسخر من المعتقدات الدينية الخاصة بهذا الشعب. والشارع العربي يحفل بالنكت والقصص التي تسخر من المقدسات الإسلامية، بما فيها الذات الإلهية نفسها، وليست فقط رسول الإسلام أو الأنبياء.

من ناحية أخرى، هناك جانب إيجابي لقصة التركيز على المقدّسات الإسلامية في هذه اللحظة بالذات، إنه جانب القبول بالإسلام والمسلمين كجزء من الحضارة الغربية، فالتراث الغربي المعاصر خاصة يحفل بالرسوم الكارتونية والقصص والأفلام والحكايات والنكت المليئة بالسخرية والنقد تجاه التراث المسيحي واليهودي بكل مكوّناته. ولأن الوجود الإسلامي في الغرب اليوم، بأبعاده الجغرافية والديموغرافية والسيكولوجية، بات من القوة والحضور بمكان أصبح الوعي الغربي المعاصر معها مجبولاً بآخر الأخبار والتطورات المتعلّقة بالإسلام والمسلمين، أصبحت المقدّسات الإسلامية بالتالي جزءاً لا يتجزّأ من الحضارة والثقافة الغربية ذاتها، وبات تناولها بذات الطريقة التي يتناول بها الغرب مكوناته التراثية الأخرى شأناً داخلياً. ومن هذا المنطلق، يعدّ الإصرار على استثناء الإسلام ومقدّساته من دائرة السخرية والنقد نوعاً من العرقلة لمحاولة استيعاب وتمثّل الوجود الإسلامي كمكوّن شرعي من مكوّنات الحضارة المعاصرة.

وعلى صعيد مرتبط، تمثّل محاولة استثناء الإسلام هذه نوعاً من التمرّد الداخلي، ومحاولة لاحتفار مكانة أكثر تميّزاً، وربما أكثر عدلاً أيضاً، للمكوّن الإسلامي للحضارة الغربية. والكلام عن العدالة هنا منبعه ارتباط كل هذه القضايا في وعي المسلمين ومخيّلتهم بحالة عميقة من عدم الرضى والرفض فيما يتعلّق بموقع المسلمين، العرب منهم خاصة، من الإعراب في العالم اليوم، وبالظلم الواقع عليهم فيه، والذي يرتبط بعضه على الأقل ببعض السياسات التي تتبنّاها وتروّج لها القوى الفاعلة على الساحة. من منطلق آخر، يشعر الكثير من المسلمين اليوم أنهم محاصرون من متطرفي الإسلام ومتطرّفي مكوّنات أخرى في الثقافة الغربية، سواء نطقوا باسم العلمانية أو المدنية أو حرية الرأي أو من منطلق ديني مسيحي أو يهودي، ولهذا نراهم يؤثرون الابتعاد وتفادي الخوض في هذه القضايا التي تشكّل خطوطاً حمراء بالنسبة لهم. لكن المشكلة أن هذه القضايا لن تختفي عن الساحة، وأن الخطوط الحمراء المتعلّقة بالإسلام، فيما لو أردنا القبول بها، لاتتوقف عند حدود أو رموز معينة، فالكلام عن حقوق المرأة وجرائم الشرف وحقوق الأقليات الدينية والطائفية وحرية الاعتقاد وسن الزواج وقوانين الميراث ونوعية الموسيقى التي نستمع إليها، إلخ. كلّها قضايا تشكّل خطوطاً حمراء بالنسبة للمتشدّدين الإسلاميين، الذين يطالبون بمراجعة التراث الإسلامي ذاته لإزالة ما يعتبرونه شوائباً وبدعاً، من مثل حكاية ألف ليلة وليلة وشعر أبي نواس وأعمال الفلاسفة المسلمين، بل وبعض الكتب الدينية التي لا تتناسب مع رؤيتهم الخاصة للأمور، وخاصة تلك التابعة لمدرسة  المعتزلة.

إن دفن الرؤوس في التراب لن يفكّ حالة الحصار التي يعاني منها المسلمون اليوم، خاصة وأن هذه العقلية لاتشوب مواقف المسلمين فيما يتعلّق بشؤون الدين فقط، بل تمتد أيضاً لتشمل مواقفهم السياسية حيال الأنظمة الحاكمة في بلادهم، خاصة العربية منها. وفي الواقع، ما يزال الخوف يحكم شعوبنا ويملي عليها تصرفاتها في كلّ شيء، ولأن الخوف هو العامل الموحّد لتصرفاتنا في الفضاء السياسي والفكري والاجتماعي والثقافي، لابدّ لأي تحدّي حقيقي لهذه العقلية أن يعمل على كل هذه الأصعدة أيضاً.

وبالعودة إلى قضية الإصرار على استثناء الإسلام من قواعد الحياة المدنية المعاصرة فيما يتعلّق بالسخرية من المقدّسات وغيرها من الأمور، لابد لنا من الإشارة أخيراً إلى أن هذا التحرّك يأتي كمحاولة لانتزاع امتياز خاص بالمسلمين لا يمكن لهم أن يمنحوا مثله للآخرين على الإطلاق من منطلق الإخلاص لتعاليم الإسلام ذاتها. فالعقائد والطقوس الهندوسية أو البوذية أو تلك الخاصة بالديانات الإفريقية مثلاً، بل حتى بعض المعتقدات الدينية المسيحية واليهودية، ستبقى مثاراً لسخرية الكثير من المسلمين، وليس فقط لرفضهم الموضوعي والعقلاني، والشواهد على ذلك في كتابات وتصرّفات المسلمين عبر التاريخ وحتى اللحظة أكثر من أن تعدّ وتحصى. أيضاً، وبالرغم من أن اليهود أهل كتاب، فإن ما يقال في صحفنا عنهم وعن ديانتهم، وما نقوله في الحياة اليومية، لاينمّ أبداً عن أي احترام لعقائدهم أو مشاعرهم أو إنسانيتهم. وإذا كان بوسع الصراع العربي الإسرائيلي أن يفسّر هذه الظاهرة إلى حد ما، فإن الهجمات الإرهابية التي تعرّضت لها بعض المدن الغربية في السنين الأخيرة تفسّر بدورها الميل المتنامي عند بعض الإعلاميين الغربيين نحو السخرية من المقدسات الإسلامية ونحو منع بعض رموزه.

لكن التفسير شيء، والتبرير شيء آخر. والسؤال الحقيقي هنا هو: ما دور القانون في هذا كله؟ إن الرؤية الليبرالية، كما أوضحنا، تضع القانون إلى جانب حرية الاعتقاد والتعبير مع كل ما قد ينجم عن هذا من إشكالات، لأن البديل هو أن يتبنّى القانون رأي مجموعة على حساب أخرى، مما يفتح باب الاضطهاد والاستبداد على مصراعيه (كما رأينا فيما يتعلّق بإصدار قوانين تمنع الحجاب والنقاب والمآذن). إن علمانية الليبراليين إذاً ليست علمانية عقائدية، بل علمانية حقوقية وبراجماتية تهدف إلى خلق توازنات إجتماعية معينة قادرة على احترام حقوق الجميع، بصرف النظر عن آرائهم ومعتقداتهم ومشاعرهم. ولاشكّ في أن الحضارة الغربية العالمية المعاصرة ما تزال بحاجة إلى القيام بالمزيد من الانفتاح على المكوّنات الثقافية الأخرى في ربوعها وإلى إيجاد حلول وتوازنات مناسبة لأوضاعهم، لكن، ومما لاشكّ فيه أيضاً أن الطريق أمام المسلمين والعرب في هذا الصدد هو أطول بكثير.


لقد شاب كلامنا حتى الآن فيما يتعلّق بالليبراليين ومواقفهم الكثير من التعميم، لكن، ما كل الليبراليين يفكّرون بنفس الطريقة طبعاً، ولاوجود في الحقيقة لمدرسة ليبرالية واحدة، بل ربما كان هناك، من الناحية النظرية على الأقل، مقاربات ليبرالية بعدد الليبراليين أنفسهم. ولاتقتصر الخلافات بين الليبراليين على المجالات السياسية والاجتماعية وحسب، فهناك خلافات عميقة حتى في المجال الاقتصادي أيضاً، وذلك فيما يتعلّق بأمور كالخصخصة وتحرير الأسعار والتجارة المفتوحة، ومفاهيم كدور القضاء والنقابات ومؤسّسات الرقابة المدنية والحكومية فيما يتعلّق بتسيير الشؤون الاقتصادية للدولة. ومع ذلك، وعلى الصعيد العملي، يمكننا القول أن معظم الليبراليين يؤمنون بالرأسمالية واقتصاد السوق إلى حدّ كبير، في حين يختلفون فيما بينهم فيما يتعلّق بالمبادئ السياسية والاجتماعية. إذ ربما كان الكثير من رجال الأعمال في المنطقة  ليبراليون، إذا ما أخذنا تأكيداتهم الخطابية بعين الاعتبار على الأقل، فيما يتعلّق بعالم المال والأعمال، لكن طروحاتهم السياسية قد لا تتبنّى الطروحات الديموقراطية بالضرورة، أما آرائهم الاجتماعية فيبقى جلّها أقرب إلى عالم الفكر الإسلامي المعاصر أو التقليلدي منها إلى الليبرالية. ولعلّ في غياب البعد السياسي عن رؤية رجال الأعمال الليبراليين، الأمر الذي يجعلهم ينأون بأنفسهم عن تحدّي فساد الأنظمة الحاكمة ويوافقون على اللعب وفق قواعد المحسوبيات والأتاوات والرشاوي، دلالات واضحة على نفاقهم وتواطئهم الضمني مع الأنظمة الحاكمة للحفاظ على مصالحهم الخاصة وتسيير أمورهم. لكن الليبرالية الاقتصادية الحقّة، والتي من المفترض أنهم يؤمنون بها، لايمكن أن تنتعش إلا في أجواء ديموقراطية سليمة وفي ظلّ حكم القانون.

وفي الحقيقة لا يختلف مهندسو اللبرلة الاقتصادية في دولنا التي تحكمها أنظمة استبدادية فاسدة عن نظرائهم اليساريين والقوميين الذين ساعدوا الأنظمة الثورجية في المنطقة خاصة على مأسسة فسادها، فسياساتهم "الليبرالية" لا تزيد عن كونها وسائل جديدة تهدف إلى مساعدة الفئة الحاكمة وحلفائها على فرض هيمنتهم على الدولة والمجتمع، كما نرى في سياسات تحرير الأسعار والخصخصة المفصّلة على مقاس أشخاص وفئات بعينها على حساب الأغلبية الساحقة من المواطنين. فاللبرلة الاقتصادية المجتزأة التي تتبنّاها بعض الأنظمة في المنطقة تسهم، في ظلّ غياب الشفافية وحكم القانون والتعدّدية الحزبية وفي ظلّ عملية التهديم المستمرّة والممنهجة لمؤسّسات المجتمع المدني المستقلّة وغياب الصحافة الحرة، في تعميق أزمة التخلّف والفساد والاستبداد في مجتمعاتنا.

إن المقاربة الليبرالية المطروحة هنا، والتي يمكن تسميتها بالليبرالية التنموية، هي تلك التي تصرّ على ترابط المسارات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وهي إن قرّرت في بعض الحالات إعطاء الأولوية لمسار بذاته، فغالباً ما يكون هذا المسار هو المسار السياسي، وليس الاقتصادي، وعادة ما تكون المطالبة في هذه الحالة شاملة الطابع، أي أنها تدعو إلى التغيير السياسي الشامل ولاتكتفي بالمطالبة بالاصلاح، لأن الليبراليين لا يدعون إلى تبنّي المسار السياسي أولاً إلاّ عندما يصلون إلى حالة من القنوط فيما يتعلّق بقابلية ورغبة النظام الحاكم على تبنّي عمليات إصلاح حقيقية. والليبراليون يدركون تماماً في هذه الحالة أن تحقيق تغيير سياسي جذري في ظل تغييب طويل الأمد لعمليات التطوير الاجتماعية والبنيوية لابد وأن يؤدي إلى انتكاسات هائلة، من وجهة نظرهم على الأقل، في مجال الحياة الاجتماعية بالذات، لأن التيارات الإسلامية، والقومية المتأسلمة، ستكون هي الرابح الأكبر هنا، ليس بالضرورة من منطلق إيمان أغلبية الناخبين بالطروحات الإسلامية، ولكن لقدرة التيارات الأكثر تصلّباً على تحريض وتفعيل أنصارهم من جهة، وقدرة النزعة الانتهازية على إقناع معظم السياسيين، على اختلاف مشاربهم، على تبنّي سياسات مهادنة لتلك التيارات من أجل مكاسب انتخابية عاجلة، من جهة أخرى، ناهيك عن دور عقلية الحصار والخوف التي سبق وأشرنا إليها في ترسيخ هذه التوجّهات السائدة على المستويات الشعبية. فللعمليات الانتخابية حساباتها الخاصة، خاصة في المراحل الجنينية للعملية الديموقراطية.

وهنا أيضاً مكمن اختلاف كبير بين الليبراليين الذين يؤمنون بمبدأ تكامل المسارات أو يدعون إلى تبنّي المسار السياسي أولاً، وبعض اليساريين والقوميين الذين يفضّلون العلمانية المدّعاة لبعض الأنظمة الاستبدادية الحاكمة على تغيير سياسي قد يؤدي إلى تقوية التيارات الإسلامية. هذا بالرغم من أن الديكتاتوريات العربية لم تنتهج يوماً مساراً أتاتوركياً فيما يتعلق بعملية الاصلاح الاجتماعي، ولم تحاول جدّياً أبداً أن تتحدّى التقاليد والأعراف السائدة، الإسلامية منها والقبلية والعشائرية، على نحو عميق ومستدام، بل، على العكس، تبنّت معظم هذه الأنظمة أسلوب المهادنة الاجتماعية مع التيارات الإسلامية ولم تتعرّض لها إلا في حالات إصرارها على الدخول في العمل السياسي. وهذا يعني أن علمانية هذه الأنظمة المدّعاة ستبقى حكراً على النخبة، ولن تكوّن لها أية جذور أو امتدادات شعبية كما حدث مع تركيا، مهما طال بقائها في سدّة الحكم، إلاّ، ربما، في صفوف بعض الأقلّيات الدينية والطائفية. لكن، و في هذه الحالة، غالباً ما تبقى العلمانية انتقائية، فيبقى وضع المرأة، على سبيل المثال، خاضعاً للتقاليد والأعراف المحلّية السائدة، بصرف النظر عن القانون والعقيدة العلمانية الثورية للأحزاب الحاكمة، فتتحوّل العلمانية بذلك إلى أداة قمع وسيطرة ضد الشعب بكل فئاته، ويصبح المجتمع نتيجة لذلك عرضة للنفوذ المتنامي للأفكار والجماعات الأكثر تشدّداً وانغلاقاً وظلامية (وهو تطور لا يقتصر على المسلمين أو المسلمين السنة فقط، وإن حظي تطرّفهم بتغطية إعلامية أوسع بسبب مظاهره الخارجية الأكثر وضوحاً وطبيعته العنفية الأكثر مباشرة). وبالتالي لن تكون هناك أية "فوائد" مستقبلية لهذه العلمانية من ناحية تحديث بعض المفاهيم الاجتماعية المتعلّقة بالمرأة وحرية الرأي ووضع الأقليات الدينية والقومية، إلى آخر ما هنالك من طروحات مدنية معاصرة، وهكذا، تتحوّل مهادنة هذه الأنظمة من قبل هؤلاء اليساريين والقوميين إلى نوع من التواطئ، بغض النظر عما إذا كانت المنافع العاجلة العائدة إليهم من هذا الأمر مادية أم معنوية، حقيقية أو متوهّمة.

لكنّ التجارب السياسية والانتخابية الجارية في المخبر العراقي برهنت على أن المكاسب العائدة للتيارات الإسلامية والقومية المتشدّدة، في حال الالتزام بقواعد اللعبة السياسية الديموقراطية، هي مكاسب قصيرة الأمد، لأن الناخبين لا يهتمون بالشعارات والوعود الخلّبية بقدر اهتمامهم بالسياسات العملية القادرة على تحسين سوية معيشتهم، وهم، إن دفعهم الحنين في مرحلة ما إلى الانجراف وراء التيارات المتشدّدة، فسرعان ما سيتخلّون عنها في حال فشلت هذه التيارات في تقديم برامج قادرة على رفع سوية معيشتهم. كما أثبتت التجارب العراقية الدائرة أيضاً أن حتى الإرهاب، وليس مجرد التهديد والتلويح به، يقف عاجزاً عن منع الناخبين عن الإدلاء بأصواتهم عندما تتكوّن لديهم القناعة بأن العملية الانتخابية هي طريقة ناجعة للتعبير عن مواقفهم الحقيقية وللوصول إلى حياة أفضل. ولهذا، يضع الليبراليون العرب ثقتهم في العملية الديموقراطية ويرون أنها قادرة على تحقيق مكاسب حقيقية على المدى المتوسط والطويل، بصرف النظر عن أية انتكاسات مرحلية. فالشعوب لا تتعلّم إلا من خبراتها العملية، وعندما تكون خياراتها السياسية مفتوحة فعلاً ويكون لها القول الأخير والفصل فيما يتعلّق بالتناوب على السلطة وصياغة السياسات الناظمة للاقتصاد والسياسة والمجتمع.

إذن، وبالرغم من أن الليبراليين العرب قد يبدون نخبويين للوهلة الأولى بحكم موقعهم الاجتماعي وخصوصيتهم الثقافية وانفتاحهم على الغرب، غير أن رؤيتهم السياسية والفلسفية والحقوقية تجعلهم في الواقع أكثر قدرة على الانفتاح على شعوبهم ووضع ثقتهم بها. إن رهان الليبراليين الحقيقي كان ومايزال رهاناً على الشعوب وقدرتها على إثبات نفسها ونبذ عقلية الحصار والخوف والقيام بخيارات عقلانية عندما تكون عندها مجالات حقيقية للخيار. إن إطلاق الوعود المتعلّقة بحرية الشعوب وكرامتها وبالعدالة والمساواة والتضحية كانت دائماً حكراً على التيارات اليسارية والقومية والإسلامية، لكنّ الفعل الحقيقي المنسجم مع هذه الوعود ما يزال ينتظر فيما يبدو مجيء الليبراليين، مسلّحين بنزعاتهم السياسية البراجماتية وأولوياتهم التنموية ونظرتهم الحقوقية، ليكونوا رأس الحربة القادر على استنهاض همم شعوبهم التي ربما قد تنبذ بعض آرائهم لاحقاً إن شاءت، وتستبطن أخرى، في مسيرتها نحو اكتشاف وتحقيق ذاتها.



(2)

في الماضي كانت الحملة التي تشنّ على الليبراليين تركّز على الأبعاد الاجتماعية لأفكارهم (وإن اتهموا أيضاً بالسعي وراء التطبيع مع إسرائيل في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي). أما اليوم، وبعد تجربة إدارة بوش الإبن الأمريكية في مجال نشر الديموقراطية، هذه التجربة التي سلّطت أضواءاً على الليبراليين العرب ربما كانت أكبر من حجم منجزاتهم أو تأثيرهم الحقيقي في هذه المرحلة، باتت أفكارهم السياسية نفسها معرّضة للانتقاد الحاد لأنها بدأت تتبلّور أكثر فأكثر وأصبح لها أخيراً تأثير ما، وإن بقي محدوداً، على بعض المجريات والتطوّرات في المنطقة. وفي هذا الصدد تبرز مفاهيم التمويل الخارجي والعلاقة مع المؤسّسات الدولية، والتعامل الأقل حدّة والأكثر براجماتية مع دور الخارج، وخاصة  الولايات المتحدة وإسرائيل، في المنطقة، علاوة على الدعوة إلى إقامة كومنويلث شرقأوسطي قائم على أساس التكامل الاقتصادي والتنموي،  كالمحاور والعناوين الأساسية للنقد الموجّه ضد الليبراليين.

والمشكلة هنا لا تكمن في الرغبة بوضع هذه القضايا على بساط البحث والتمحيص، فهذا أمر مشروع بل ضروري في هذه المرحلة بالذات التي تشهد نمواً مطرداً للدور الأمريكي في المنطقة وبروز استقطابات جديدة ومتزايدة للقوى المختلفة الفاعلة فيها. بل تكمن المشكلة في استخدام المحاور أعلاه كشتائم واتهامات وحسب، دون الخوض في أي نقاش أو تحليل حقيقي لما حدث ويحدث، وللأسباب الكامنة ورائه. إن التوجّه هنا هو لمنع النقاش وقطع الطريق أمام أي حوار عن طريق إدانة المتّهم باستخدام ألفاظ ومصطلحات بات لها وقع سحري عند آذان المتلقّين، وقع يوحي بالشرّ المستطير والخطر الداهم، كلمات مثل: "التمويل،" "الخارج،" "الولايات المتحدة،" "إسرائيل،" "شرقأوسطي (المصطلح الذي يدلّ استخدامه عوضاً عن المصطلحين المألوفين: عربي أو إسلامي على خيانة ما)،" "مؤسّسات (وهو مصطلح بات يقابل مصطلح "الخلايا" في أذهان الكثيرين هذه الأيام من كثرة ما تم ترديده في سياق الشجب والندب والإدانة)..." إلخ.

لكن، ولكي لا تنتصر سياسة الشتم والتخريس هذه، التي تتبنّاها الأنظمة وبعض أنصار التيارات اليسارية والقومية والإسلامية، دعونا نناقش هذه المحاور من وجهة نظر ليبرالية بحتة لنرى مدى ارتباطها بالواقع الذي تعيشه المنطقة بالفعل.

ولنبدأ بموضوع التمويل الخارجي والذي بات مرتبطاً هذه الأيام بالمحافظين الجدد والليبراليين العرب وكأنّ المنطقة لم تعهد تحرّكات ونشاطات من هذا النوع قبل الحادي عشر من أيلول، عام 2001،  بل كأنّ تاريخ أزمتنا في المنطقة بدأ منذ تلك اللحظة فقط.
الواقع أن التمويل الخارجي، الدولي منه على وجه التحديد، بدأ "يغزو" المنطقة مع بداية عهد الاستقلال،[3] وكانت له مسوّغات تنموية في بادئ الأمر تهدف إلى دعم عمليات التحديث المؤسّساتي الجارية في الدول حديثة الاستقلال بهدف ترسيخ وجودها ككيانات مستقلّة وقائمة بذاتها، في استكمال للعمليات والصيرورات التي أطلقتها القوى الاستعمارية للغرب المعاصر. لكنّ الأبعاد السياسية، خاصة تلك المرتبطة بحسابات الحرب الباردة، سرعان ما طغت على كل شيء، وأصبح الهدف الأساسي من التمويل هو "ائتلاف القلوب" وشراء الذمم، خاصة فيما يتعلّق بالأنظمة الحاكمة والنخب المكوّنة للرأي العام. وجاء التمويل من جهات مختلفة، حكومية وخاصة، بما فيها  دول أوروبة الغربية والشرقية، والاتحاد السوفييتي والصين والولايات المتحدة الأمريكية وكندا، بل، وفي مرحلة لاحقة، وبعد إعادة بنائها وتحقيق نهضتها الجديدة، انضمّت اليابان إلى لائحة الدول المانحة أيضاً. هذا علاوة على المؤسّسات الدولية كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي واليونسكو واليونيسف والفاو، وغيرها. وكان للأنظمة الحاكمة حصّة الأسد طبعاً من كل هذا التمويل الذي لم يسلم بطبيعة الحال من الاختلاسات والهدر، هذا إذا لم نقل أنه كان مقدّراً ومسخّراً لذلك كنوع من الرشوة للفئات الحاكمة. وكانت للمجتمع المدني حصّته الصغيرة أيضاً من هذه الكعكة، وكان من الطبيعي ألاّ يخلو الأمر هنا أيضاً من بعض الاختلاس والهدر، بغض النظر عن النوايا، حسنة كانت أم سيئة، وذلك نظراً للأجواء التي مارس فيها الناشطون المدنيون نشاطاتهم، تلك الأجواء المحقونة والمحفوفة بالاختراقات الأمنية، والتهديد والقمع الأمني المستمر، علاوة على غياب الآليات التي تكفل المسائلة والشفافية.

ولا ينبغي أن ننسى هنا أن معظم قادة المجتع المدني في المنطقة كانوا عندها (بل ما يزالوا) ينتمون إلى التيارات اليسارية والقومية والإسلامية. وفيما يبدو، لم يجد منظّروا هذه التيارات بأساً من قبول الدعم المقدّم لهم ممن توسّموا فيهم صفة الحلفاء في ذلك الوقت، سواء كانوا حلفاء عقائديين أو مرحليين، فالخارج ليس خارجاً عندما تتّفق العقائد و/أو المصالح.

من ناحية أخرى، هناك جانب آخر للتمويل "الخارجي" لا يقلّ أهمية هنا عن التمويل الدولي، ألا وهو التمويل القادم من الدول النفطية، فهو تمويل خارجي من وجهة نظر معظم دول المنطقة، وأهدافه ودوافعه السياسية لا تقلّ أهمية عن تلك المتعلّقة بالتمويل الدولي، بل ربما كانت انعكاسات هذا التمويل على البنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية للمنطقة أكثر سوءاً وعمقاً من تلك الناجمة عن التمويل الدولي. إذ ساهم هذا التمويل في تغذية الكثير من الصراعات البينية، وترسيخ قبضة الأنظمة الاستبدادية والشمولية وثقافة الإفساد التي رعتها، وبناء تيارات أصولية رافضة للحداثة جملة وتفصيلاً ما لبست أن اجتاحت بلدان المنطقة، مما خلّف آثاراً سلبية على كل عمليات التنمية المجتمعية والبشرية فيها. 

أما فيما يتعلّق بالتهمة التي تنصّ على أن التمويل الخارجي، الدولي تحديداً، والأمريكي على وجه الخصوص مؤخراً، قد ساهم في تهديم بنية مؤسّسات المجتمع المدني، وأعاق تقدم عملية الدمقرطة فيها، ونقض "المكاسب" التي حقّقتها حركات المعارضة الديموقراطية في المنطقة في هذا الصدد عبر العقدين الماضيين، وهو اتهام الساعة المفضّل فيما يبدو، فربما كان علينا أن نذكّر بدور التمويل الداخلي في تحقيق كل هذه الوقائع، بشكل مستقلّ عن التمويل الخارجي، فلهذا التمويل دور البطولة في مسرحيتنا التراجيدية هذه.

ونقصد بالتمويل الداخلي ذلك التمويل الذي تضخّه الأنظمة الحاكمة عن طريق مؤسّساتها الاستخباراتية والإعلامية، وعن طريق عملائها، في الداخل والخارج، من رجال الأعمال الذين تربطهم بالأجهزة الاستخباراتية ورجالات الحكم علاقات مميّزة وقوية. وبالطبع، لا يهدف هذا التمويل، الذي يأتي خارج سياق الإنفاق الحكومي المعتاد من خلال مؤسسات الدولة، والذي يزيد بعشرات الأضعاف عن أيّ تمويل خارجي والذي لا يخضع لأية ضوابط أو رقابة أو محاسبة شعبية من أي نوع، ما خلا ذهنية ومزاجية ومصالح الأشخاص المسؤولين عنه، إلى أية عملية تنموية، بل يسعى بشكل أساسي إلى تسهيل عملية اختراق المؤسّسات المستقلّة القائمة، جمعيات كانت أو أحزاب، مرخّصة كانت أو غير مرخّصة، سرّية كانت أو علنية. هذا علاوة على استخدامه لشراء الذمم وتغذية عقلية التنفيث، تلك العقلية  التي تسمح بالنقد العام بأبعاده المختلفة طالما بقي خاضعاً لرقابة الأنظمة الحاكمة، مطيعاً لخطوطها الحمراء. إذ تسمح مسرحية التنفيث للأنظمة الحاكمة بتبرير وشرعنة وجودها والدفاع عن "أجنداتها الإصلاحية،" وباستقطاب شخصيات فكرية وفنية واجتماعية ومهنية ودينية للانضمام، وإن بشكل غير مباشر، إلى صفوفها، في وقت تتواصل فيه حملاتها الشعواء على ناشطي المجتمع المدني وشخصيات المعارضة ممن رفضوا الانضمام إلى طاقم المسرحية، بلا هوادة. وفي الواقع ومن خلال "خروجها" على المجتمع الذي من المفترض فيها أن تحميه، يمثّل تمويل الأنظمة للنشاطات الهادمة للمجتمع المدني نوعاً من التمويل الخارجي أيضاً، وهو تمويل أكثر سمّية وأوضح هدفاً من كل الأنواع الأخرى. إذ لا يوجد مجال لأي غموض هنا، ولا وجود لأية نوايا حسنة أو احتمالات أو آثار إيجابية.

هكذا تمّ ويتمّ تدمير بنية المجتمع المدني في منطقتنا، أي عن طريق تفريغه وهدمه من الداخل على أيد الأنظمة الحاكمة، ولايكاد دور التمويل الخارجي، الدولي منه خاصة، في هذا الصدد يقاس بالمقارنة، بل بوسعنا التأكيد أنه لولا وجوده على الساحة، بكل ما فيه من مساوئ ناجمة عن طبيعته البيروقراطية الصلبة التي تعكس الخلفية الديموقراطية والآليات القانونية للدول والمؤسّسات المسؤولة عن تقديمه، وعن الحسابات السياسية للدول والجهات المانحة، والطبيعة اللاديموقراطية لبعضها، علاوة على التغيير المستمرّ في السياسات المتّبعة في هذا الصدد، بسبب التغيير الدوري للحكومات والقيادات والإدارات، وتذبذب طبيعة الاستقطابات الفاعلة في المنطقة والعالم، لربما اختفت معظم المؤسّسات المدنية والأحزاب المعارضة التي ما تزال فاعلة في المنطقة اليوم.

وهنا نذكّر أن ما وصل ويصل إلى الإسلاميين والقوميين واليساريين من تمويل خارجي، بكل شقوقه، هو أكثر بأضعاف مضاعفة مما وصل إلى كل التجمّعات الليبرالية مجتمعة حتى بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وصعود نجم الرأسمالية، وبروز المحافظين الجدد على ساحة صنع القرار الأمريكي أبان إدارة بوش الإبن، لأن المجتمع الدولي ليس بحاجة إلى إستمالة الليبراليين وتأليف قلوبهم. من ناحية أخرى، يجب أن لا ننسى أن المقاربات المؤسّساتية للتغيير الديموقراطي تتطلّب وجود إمكانيات مادية ضخمة، لكن، وفي غياب الوعي الكافي عند الفئات الشعبية وغياب رغبة حقيقية عند الطبقات المقتدرة مادياً على الاستثمار في عمليات التغيير، تواجه كل الحركات المدنية مشكلة كبيرة في توصيل رسالتها وبناء قدراتها وتجهيز نفسها لقيادة التغيير وتفعيل القوى المختلفة اللّازمة لتحقيقه. وحتى يطرح أحد ما حلاً جذرياً لهذه المشكلة، لا بديل للتيارات المختلفة من الاعتماد على المجتمع الدولي ومؤسّساته المختلفة والتحصّل على دعمه المادي واللوجستي لتحقيق شيء ما يساعدها على الحفاظ على وجودها على الأقل، في وجه محاولات القمع والاستمالة والتفتيت التي تقوم بها الأنظمة الحاكمة.

وربما كان من المفيد في هذا الصدد أن يبحث منتقدوا التمويل الخارجي من يساريين وقوميين وإسلاميين في الكيفية التي تمّ من خلالها تمويل الثورة البلشفية في روسيا والثورة العربية في بلاد الشام والثورة الإسلامية في إيران، ناهيك عن كل الثورات المخملية  التي شهدتها العقود الماضية، ودور المصارف العالمية والحكومات الأجنبية والمؤسّسات الدولية في ذلك. فالثورات في واقع الأمر صناعة، بل صناعة معقّدة لابد لنجاحها من توفير إمكانيات مادية ضخمة. وعندما تؤخذ هذه الحركات في سياقها الإقليمي والتاريخي الأوسع، سنجد أن "الخارج" كان دائماً جزءاً من اللعبة وعاملاً  داعماً ومحرّضاً، ليس في منطقتنا فقط بل في كل أنحاء العالم، وليس في الوقت الراهن فقط، بل عبر التاريخ. فالخارج جزء لا يتجزّأ من السياق التاريخي المحرّك والمفعّل للكثير من التفاعلات الجارية في "الداخل". ومن يبحث يجد.

وأخيراً، نذكّر، على سبيل المثال، أن ما تقدمه إيران لحزب الله من دعم مادي سنوياً يزيد عن المئة مليون دولار، ويقول الخبراء أن هذا المبلغ ارتفع مؤخراً إلى المئتي مليون دولار، وهو مبلغ يزيد بعشرات الأضعاف عن كل ما تقدمه الدول والمؤسّسات الدولية المانحة لدعم مؤسّسات المجتمع المدني وكل أحزاب المعارضة بتياراتها المختلفة في كل منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، باستثناء ما تقدّمه دول الخليج العربي من دعم للتيارات السلفية والوهابية المختلفة، وما تقدمه إيران ذاتها إلى حركات وتيارات أخرى مثل حركة حماس وتيار مقتدى الصدر وغيره في العراق، وما يقدمه المجتمع الدولي من هبات وقروض إلى المؤسّسات الحكومية في المنطقة،  فهذه لا تصل إلى مؤسّسات المجتمع المدني المستقلّة، ناهيك عن أحزاب المعارضة. 

وفي الواقع نحن نعيش في منطقة ما تزال الأموال تضخّ فيها من كل حدب وصوب من بداية يقظتها المفاجأة والمتأخرة في مطلع القرن العشرين وحتى اليوم، وذلك من قبل فرق ومجموعات ودول مختلفة، وفق سياسات  تفضي إلى التخريب أكثر من الإعمار، ليس لأن هذا هو هدفها بالضرورة، ولكن لأنّا مازلنا غير مهيّئين بعد للتعامل معها على نحو صحيح وفعّال. إذ يحول هذا السرطان المستشري في جسدنا الناحل، سرطان الاستبداد والفساد والتخلّف مصحوباً بعقيدة المقاومة والتمترس التي يفرزها ويغذيها ويقتات عليها، دون ذلك. ومع ذلك، لا يمكننا أن نقف في وجه هذا الواقع ونطمح إلى تحدّيه وتغييره ونحن مفلِسون، مادياً ومعنوياً، بل يتوجّب علينا أن نخوض خضم عالم التمويل بسياسته المتضاربة وتحالفاته الاستراتيجية والمرحلية بعيون مفتوحة وحواس متنبّهة وغرائز متيقّظة. فالعلاقات مع ما نعتقده خارجاً تتطلّب ذلك دائماً، ولامجال هنا للتخاذل، ولامناص من دخول اللعبة، مهما بدت قواعدها صعبة ومجحفة، لأن هذه هي الطريقة الوحيدة أمامنا لكي نكتسب الخبرات اللازمة للتعامل مع هذا الواقع على نحو أكثر فعّالية.

هذه هي طبيعة التحدّي الماثل أمامنا، وهذه هي قواعده ومتطلّباته. إن النزعات التطهّرية والتي تدفع الكثيرين إلى تجنّب الخوض في معمعات الصراعات السياسية ومعترك النشاط المدني بقواعده وضوابطه الحالية، رغبة في صون مبادئهم ومثلهم، كما يزعمون، تنتهي بأصحابها إلى تبنّي مواقف عدمية الطابع تدفعهم إما نحو العنف الثوري أو الجهادي، أي الإرهاب، بشقّيه الفكري والعملي، الأمر الذي سيبرّر لهم القيام بالكثير من الأعمال والنشاطات التي كانوا يرفضونها سابقاً، في واحد من التناقضات الكثيرة التي تشوب مواقف الثوريين، أو إلى الحياد التام تجاه أمور وتطورات تمسّهم بالصميم، وكأنهم غير معنيين بها، وفي هذا استسلام وخنوع ونكوص إلى عقلية الحصار والخوف ودفن الرؤوس في الرمال، وعبودية ما بعدها عبودية مختبئة كما العادة تحت عباءة الوطنية والمقاومة والصمود والنقاء.



(3)

بعد معالجتنا للملفّ الجزئي المتعلّق بالتمويل الخارجي أصبح بوسعنا الآن الانتقال لتناول الملف الأعمّ والأشمل لعلاقة الليبراليين بالعالم الخارجي ككل، بمؤسّساته ومنظّماته الدولية، ودولتيه الأكثر إشكالية وإثارة للجدل في أوساطنا النخبوية والشعبية على حدّ سواء، ألا وهما: الولايات المتحدة وإسرائيل.

إن الانفتاح على الخارج والنظر إليه من خلال منظور موضوعي أو على الأقل براغماتي، عوضاً عن المنظور العقائدي للتيارات اليسارية والقومية والإسلامية، كان دائماً مصدراً للتشكيك في وطنية الليبراليين ذاتها وليس فقط لانتقادهم. لقد أصبحت النظرة إلى الليبراليين كطابور خامس جزءاً أساسياً من أدبيات النقد وتأكيد الهوية في المنطقة. ومما لاشكّ فيه أن إقدام بعض الليبراليين المؤمنين بإمكانية، بل وضرورة، دفع فكرة الإصلاح الاقتصادي الجزئي حتى في غياب إصلاحات سياسية وقضائية ومؤسّساتية موازية لها، وبصرف النظر عن الانعكاسات الاجتماعية الخطيرة التي نجمت عن هذا الطرح والسياسات المرافقة له، علاوة على نشاطات بعض الليبراليين الذين اختاروا الانخراط في السلك الدبلوماسي للأنظمة الحاكمة وقيامهم بدور هام في بناء جسور للتواصل ما بين هذه الأنظمة والغرب على حساب المصلحة الوطنية العامة، قد ساهم في تكريس هذا الانطباع.  

لكنّ الواقع ينبؤ بأن التمثيل الليبرالي في أوساط الأنظمة الحاكمة يبقى ضعيفاً، بل ضعيفاً جداً، ذلك لأن معظم الليبراليين ينتمون إلى المدرسة التي تقول بضرورة ترابط الاصلاحات السياسية والاقتصادية والبنيوية والمؤسّساتية والاجتماعية، مما يجعلهم أشخاصاً غير مرغوب بهم في مؤسّسات الدولة وردهات السلطة.

ويبقى الانتقاد الأكبر الموجّه ضدّ هؤلاء الليبراليين بالذات، أي الليبراليين التنمويين، هو لجوئهم إلى الخارج واستعانتهم به، دولاً ومؤسّسات، لتقوية موقفهم والتعويض عن ضعفهم الداخلي والدفع باتجاه التغييرات والاصلاحات التي يرغبون بها، وذلك دون الاهتمام بما يحدثه الخارج من أضرار نتيجة تدخله المتزايد في المنطقة، على حدّ زعم منتقديهم، أو التنبّه إلى تلاعب الخارج بهم لتحقيق مصالح تبقى متعارضة مع متطلّبات التغيير الديموقراطي، وهو الهدف الأساسي الذي يفترض أن الليبراليين يسعون لتحقيقه.

والسؤال هنا، بل الأسئلة هي: هل الليبراليون بالفعل من السذاجة بحيث يخفقون في ملاحظة أن للخارج أحياناً مصالح لا تتوافق مع متطلّبات التغيير الديموقراطي في المنطقة؟ وألا يرى هؤلاء الليبراليون الآثار الضارة بل والمدمّرة الناجمة عن السياسات الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة؟ ألا يرون ما صنعت وتصنع الولايات المتحدة في العراق وما صنعته وتصنعه في أفغانستان، وما تفعل إسرائيل في غزة والضفة؟ ألا يدركون مدى عمق التحالف القائم بين الولايات المتحدة وإسرائيل من ناحية، وبينهما وعدد من دول المنطقة التي لا يمكن لها أن تتبنّى أية إصلاحات ديموقراطية أو ليبرالية في أي وقت قريب من ناحية أخرى؟ وألا يرى الليبراليون السهولة التي تتخلّى بها الولايات المتحدة عن حلفائها في المنطقة أحياناً فيصبح صديق اليوم عدو الغد، وبالعكس؟ كيف يقدر اليبراليون على الاعتقاد، في مواجهة كل هذه الحقائق، بأنه يمكن للخارج، وللولايات المتحدة الأمريكية تحديداً، أن تلعب دوراً إيجابياً في المنطقة؟

تبدو هذه الأسئلة وجيهة في ظاهرها، وهي بالفعل كذلك، لكن عيبها الأساسي يكمن في تجاهلها لطبيعة العمل السياسي وأحكامه وضروراته ومسوّغاته، ويفوح منها تبرير لخطاب المقاومة والانغلاق والتمترس الذي تتبنّاه الأنظمة الثورجية والحركات الأصولية منذ أكثر من خمسين عاماً دون أن يرتقي فعلها إلى مستوى خطابها، إلا في مجال قمع الحريات الأساسية لمواطنيها. أما الإشكال الثاني النابع عن هذه الأسئلة فيكمن في تجاهل أصحابها لعلاقة الأنظمة الحاكمة والتيارات الفكرية الأخرى بالخارج بدورها. كما تبدو الأسئلة ناجمة بجملتها عن توصيف محض لواقع معين يخلو من محاولة لطرح حلول أو بدائل عملية في انعكاس جديد لعقلية الخوف والحصار وللنزعة التطهّرية بكل ما فيها من نفاق وعجز، تماماً كما هو الحال مع مسألة التمويل الخارجي التي يتم طرحها هي أيضاً من منطلق الرفض فقط (من الناحية الخطابية وحسب في أغلب الأحوال).

كما يبدو واضحاً أن أصحاب هذه الأسئلة ينظرون إلى الغرب كما ينظرون إلى الشرق: ككتلة متجانسة وصلبة البنية لا يمكن تغييرها، مصرّين على تجاهل التنوّع الحقيقي للشرق وطغيان عنصر الشباب على مكوّناته الديموغرافية من جهة، وعلى تجاهل حيوية الغرب وقدرته على استنباط نفسه وانفتاحه على المؤثّرات الخارجية من جهة أخرى.

لكنّ الليبراليين يدركون ربما أكثر من غيرهم، ومن منطلق خبرتهم العملية مع الغرب وفي العمل مع مؤسّساته وحكوماته،[4] مدى الصعوبات والعوائق الموجودة أمامهم لتغيير مجرى الأمور وطبيعة التحالفات المتشابكة القائمة ما بين القوى والتجمّعات المختلفة في الشرق والغرب. لكن، عندما تكون الرغبة في تحقيق التنمية البشرية هي الهدف الأساسي الذي تتم الدعوة إليه، يصبح إيجاد حلّ عاجل للصراعات أمر ملحّ، ويصبح التغيير الديموقراطي ضرورة في وجه انغلاق الأنظمة الحاكمة أمام هذه الفكرة، وتصبح الاستعانة بالخارج ومحاولة تسخيره وإن جزئياً لخدمة بعض أغراضنا، تماماً كما يحاول هو تسخيرنا لخدمة بعض أغراضه، وتحاول الأنظمة الحاكمة استمالته لجانبها متقبّلة معظم إملاءاته عليها، أمراً ليس مباحاً وفقط، بل ضرورياً. ولقد سبقتنا التيارات اليسارية والقومية إلى الاستعانة بالخارج الشيوعي والاشتراكي فيما سبق، وكذلك التيارات الإسلامية من حيث استعانتها بالخارج الخليجي والإسلامي، ناهيك عن سرعتها إلى دعم، بل  المشاركة في العمليات الجهادية في الخارج الإسلامي (وفي الغرب)، وكل ذلك من المنطلق نفسه: أي منطلق الضرورة الاستراتيجية، كما يعرّفونها من منظورهم، وإمكانية توافق وتقاطع بعض المصالح الوطنية، كما يعرّفونها أيضاً، مع مصالح ذلك الخارج الذين سرعان ما يتحوّل داخلاً من خلال تبنّي مصطلحات بعينها كالبروليتارية العالمية ومعاداة الإمبريالية، أو الأمة والجهاد. 

لكنّ حكّامنا أنفسهم، كما سبق وأشرنا، كانوا هم السبّاقين إلى التواصل مع الخارج، بشقّيه الدولي والخليجي، والاستعانة به، ومن هذا المنطلق تعويلهم المتزايد على شركات عالمية للعلاقات العامة والاستشارات القانونية، ومحاولاتهم المستمرّة لاستدامة وتكريس التخلّف والتعصّب في المنطقة، لتبرير قبضتهم الحديدية أمام المجتمع الدولي، ومنع إمكانية التواصل المباشر بينه وبين شعوبهم. وما استمرار وجود بعض الأنظمة في سدّة الحكم دون تغيير أو تهديد حقيقي لوجودها عبر العقود الماضية إلا نتيجة لنجاحها في تواصلها مع المجتمع الدولي. وما مقاومة الأنظمة الثورجية على وجه الخصوص للخارج إلا عملية مساومة وتحاصص مستمرّة معه تهدف إلى خدمة مصالح المشاركين بها على وجه الخصوص. والمشكلة هنا لا تقع في عملية المساومة بالضرورة، وإن تمّت باسم المقاومة، لأن الهدف الأساسي من أية مقاومة هو في نهاية الأمر التوصّل إلى تحقيق صفقة أفضل للطرف المقاوم، بل تقع المشكلة في أن إنغلاق العملية السياسية في مجتمعاتنا ودولنا المقاوِمة، بالترافق مع غياب دور فاعل للرأي العام والصحافة الحرّة فيها، يؤدي بالضرورة إلى تغييب اعتبارات المصلحة الوطنية عن العملية، فلاتتحقّق بالتالي إلا مصالح الأنظمة الحاكمة، علاوة على مصالح الأطراف الخارجية القوية دائماً بمؤسّساتها وقوانينها واقتصادياتها وجيوشها وسويتها التنموية.

هنا جوهر الاختلاف بين طبيعة العملية الاستبدادية في منطقتنا وذلك الاستبداد الذي، وإن بقي غير مشروع، احتوى على طابع تنموي ووطني حقيقي والذي عهده الاتحاد السوفييتي ودول أوروبة الشرقية سابقاً، وتعهده الجمهورية الروسية والصين اليوم.

من ناحية أخرى، تدلّ الدروس المستنتجة من الصراعات المختلفة التي خاضتها وتخوضها المنطقة اليوم على أن تصرّفات قادتنا والناطقين بإسمنا، بل وجنودنا وشعوبنا ككل، في هذه الصراعات لا يختلف بشيء عن تصرّفات إسرائيل أو الولايات المتحدة الأمريكية أو روسيا أو الصين في صراعتهم المختلفة معنا ومع غيرنا، بل ربما كان ظلمنا لبعض أشدّ وأمرّ (الحرب اليمنية في ستينات القرن الماضي والآن، والحرب الأهلية اللبنانية، والصراع في جنوب السودان وفي دارفور، والاجتياح العراقي للكويت، والوجود العسكري السوري في لبنان، إلخ.).


ولا نهدف من هذه المقارنة إلى تبرئة أمريكا وإسرائيل من مخالفاتهم القائمة للقانون الدولي، بل نهدف إلى الابتعاد عن تلك النظرة الإيديولوجية المغلقة للأمور التي طالما أعاقتنا عن فهم الواقع ومعالجته كما هو، مشرعنة لنا ومكرّسة دور الضحية، فلا نقدر على الأخذ بزمام المباردة لتغيير أي شيء من ممارساتنا الخاطئة كشعوب ودول، خاصة حيال بعضنا البعض، وتنحصر استجابتنا للتحدّيات التي نواجهها إلى ردود أفعال بائسة ومؤسفة سرعان ما تنعكس علينا بآثارها السلبية بأكثر مما تنعكس على أحد.

فبغياب الحرية والسلام في دولنا تغيب التنمية أيضاً، والتي هي جوهر التحدّي الحقيقي الذي نواجهه اليوم. إذ لو كان الطرف الآخر شرّ بالمطلق وخطأ بالمطلق، لا يمكن في هذه الحالة التوصّل إلى أي تفاهم معه، ولن يكون أمامنا من خيار عندها إلا محاولة هزيمته بالمطلق. إن طرحاً من هذا النوع يناسب كل المستفيدين من الوضع الراهن في المنطقة، سواء كانوا منها أو من خارجها، خاصة الأنظمة الثورجية، التي دأبت على استخدام خطاب المقاومة ومعاداة الإمبريالية، في حين كرّست جلّ أنشطتها الحقيقية لقمع شعوبها ونهب أموالهم من ناحية، والتوصّل إلى اتفاقيات مرحلية سرّية مع أعدائها المعلنين من ناحية أخرى.

ولاشكّ في أن تغيير هذا الطرح يتطلّب منا أن نزجّ بأنفسنا في معمعة التفاعل والتواصل مع الخارج، الذي يعطينا واقع انتشار الثقافة الديموقراطية والمؤسّساتية والمدنية في معظم أرجائه فرصة حقيقية، مهما كانت محدودة في بادئ الأمر، للتأثير على آلية صنع قراراته، فيما لو تعلّمنا أصول اللعبة وكوّنا الخبرات اللازمة لذلك. وفي ذات الوقت، يفرض علينا التغييب شبه الكامل للبعد التنموي في تفكير الأنظمة الثورجية في المنطقة منطق الرفض التام لها، وذلك على عكس ما يحدث في دول الخليج التي تشهد تنمية مستمرّة ما، وإن بقيت قاصرة، خاصة في أبعادها الاجتماعية والسياسية.

ويشكّل رفض طبيعة التكوين الداخلي الحالية، خاصة بشقّه السياسي الاستبدادي، مع الانفتاح النسبي على المكوّن الخارجي، خاصة الديموقراطي، لوجود إمكانية حقيقية للتفاعل معه والتأثير عليه، جوهر التناقض في الموقف الليبرالي فيما يتعلّق بالنشاط السياسي، لكنّه يبقى تناقضاً مبرّراً بل وضرورياً يفرضه علينا السياق المعيشي والتجربة التاريخية للعقود الست الماضية والرغبة في استغلال ما تبقّى من موارد في بلادنا لبناء مستقبل أفضل، قبل فوات الأوان. لأنّا ما لم نسعى إلى بناء مؤسّسات مستقلّة لتمثّلنا كشعوب ونخب ناشطة ومعارضة في الخارج سنبقى بلا أي تمثيل في تلك الساحة التي تشكّل، في غياب تحرّكات شعبية واسعة ومكثّفة ودؤوبة، الفضاء الأهم لصنع القرارات المؤثّرة في المنطقة.

ومن هذا المنطلق ينبثق الانفتاح الليبرالي العربي على الولايات المتحدة الأمركية وتعامل الليبراليين البراجماتي الطابع مع إسرائيل، في مسعى لاحتواء الأزمة المشتعلة وإنهاء الصراع بأقل خسائر ممكنة منعاً لتحوّل العرب، خاصة أغلبيتهم التي تعيش في ظلّ الأنظمة الثورجية، إلى مجرّد بيادق في لعبة استقطابات مستمرّة لدول الخليج العربية وإيران وتركيا وأسرائيل والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين والهند وروسيا، إلخ. ولهذا ، تأتي فكرة الاتحاد الشرقأوسطي، والتي تمثّل خلاصة الرؤية الأقليمية لليبراليين، لتعطي رؤية مستقبلية للمنطقة تسمح للجميع بالتفاعل والتكامل دون أن يطغى عنصر على آخر إلا من منطلق القدرة الاقتصادية والقاعدة الصناعية والبنية التنموية لكل مكوّن، تماماً كما هو الحال في الاتحاد الأوروبي الذي يشترك جميع أعضائه في صنع قراراته المصيرية، مع احترام حجم دول مثل ألمانيا وفرنسا وبريطانيا من الإعراب، والتي يبقى لها دور أكبر في التأثير على القرارت من منطلق قدراتها المؤسّساتية والمالية. والاتحاد الشرقأوسطي المقترح هنا لن يكون خاضعاً لسيطرة دولة دون أخرى، لا إسرائيل ولا غيرها، ولكن، لا شكّ في أنه سيكون لإسرائيل دور قوي فيه يتناسب مع قوة اقتصادها وجيشها، ومع مستوى التنمية البنيوية والبشرية فيها. لكن، تبقى العديد من دول المنطقة قادرة على اللحاق بإسرائيل في حال كرّست جهودها لذلك، وأطلقت عنان روح الإبداع عند شعوبها من خلال تبنّي الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية اللازمة. وربما يلعب التبنّي الجديّ لفكرة الاتحاد الشرقأوسطي عاملاً محفّزاً لهذه الدول، أو على الأقل لشعوبها ونخبها المعارضة، على العمل لتسريع وتيرة الاصلاحات الواسعة فيها.

من ناحية أخرى، يبدو الكلام عن اتحاد شرقأوسطي قادر على استيعاب المكوّنات الإثنية والقومية واللغوية والدينية والطائفية للمنطقة أكثر انسجاماً مع واقع التنوّع والاختلاط فيها من الطروحات القومية والفئوية والإسلامية الصرفة التي عهدناه حتى الساعة. وتبدو أمور ومفاهيم مثل التاريخ المشترك والجغرافية والاقتصاديات القابلة للتكامل، وهي عوامل غالباً ما تستخدم لتبرير الطروحات القومية، أكثر صدقية هنا لأنها تعترف بالتنوّع من منطلق مبدأي وليس من منطلق استدراكي، وتعترف كذلك بواقع الاختلاط، وهو العامل الذي يجعل عملية فرز التنوّع على نحو جغرافي أمراً مستحيلاً من دون اللجوء إلى عمليات ترحيل جماعية وغيرها من الجرائم ضد الإنسانية. لكن واقع الاختلاط يبدو أقلّ إشكالية عندما لايتمّ الكلام عن دول قومية أو دينية أو طائفية، بل عن دول مدنية متكاملة اقتصادياً وتنموياً، لا حدود حقيقية بينها.

نعم، إن أصحاب فكرة محور المقاومة والصمود والتصدّي في المنطقة على حقّ في نقدهم لهذا الطرح الليبرالي، فهو يتعارض تماماً مع طروحاتهم الإسلاموية، والقومية المتأسلمة، والاشتراكية الانتقائية، والليبرالية المجتزأة، من حيث إصراره على التنمية البشرية وترابط المسارات التغييرية عوضاً عن المقاومة كالمعيار الأول للصدقية وللمشروعية، وهي الأمور التي دأب أصحاب محور المقاومة على تغييبها لحين تحقّق نصرهم الموهوم. إذ لا صوت يعلو على صوت معركتهم الطاحنة ضد عدوهم الأول والأخير: شعوبهم.  

هذه هي الرؤية الليبرالية بأبعادها المثالية بالطبع، إذ يبقى الطريق إلى تحقيقها محفوفاً بالمخاطر والألغام. وفي الواقع، يبدو أننا ولدنا، كأفراد وشعوب ودول، في منتصف حقل ألغام، ولا يمكن لنا أن نخرج منه بلا مغامرة وبدون بذل الكثير من التضحيات، مع غياب أية ضمانات بالنجاح طبعاً. لكن يبقى خيار المغامرة هنا أكثر انسجاماً مع متطلّبات البناء الحضاري والكرامة الإنسانية من خيار الوقوف والقبول بالوضع الراهن الذي تتحكّم فيه النخب المستبدّة والفاسدة بمجريات الأمور على حساب التنمية البشرية والمصلحة الوطنية والإنسانية.

لاشكّ أن منطقتنا تبقى ساحة صراع عنيف لمصالح متعارضة تشارك فيه قوى من داخل المنطقة وخارجها، ومنطقتنا ليست الوحيدة في العالم التي تجد نفسها في هذا الموقف، لكنها تبقى أكثر المناطق تأخّراً فيما يتعلّق بالتعامل الإيجابي مع هذا الواقع، وذلك من خلال إصرار النخب الفاعلة والمؤثّرة على ثقافة المقاومة والتمترس عوضاً عن ثقافة المشاركة والانفتاح من منطلق المصالح الفئوية، والرؤى العقائدية، والأوهام المتعلّقة بالهوية الوطنية، في أوطان لا يّصان فيها شيء ما خلا قبضة الحاكم القوية على حنجرة المحكوم.

ولاتدعو ثقافة المشاركة والانفتاح، كما يروّج البعض، إلى التخلّي عن ماضينا وعن ثقافتنا بالمطلق، بل تدعو إلى عدم الخوف من التغيير وإلى مواجهة الواقع وتفهّمه كما هو لكي نتمكّن من تفعيل العمليات التغييرية والنهضوية اللازمة من خلال تفاعل حقيقي وإيجابي مع الواقع والحياة، وليس من خلال الارتكاس ومحاولة تبنّي سياسات حمائية الطابع حيال التقاليد والتراث والمفاهيم السائدة، لأن ما ينفع منها سيبقى من خلال قدرته على التماشي والتأقلم مع المستجدات، وهوية المرء والمجتمعات الحقيقية تكمن أكثر في ما تعمل وتفعل اليوم وليس فيما ترث من الأمس البعيد.

لقد كانت التيارات الليبرالية تاريخياً الأقل تمويلاً ودعماً وحلفاءاً ونفوذاً من غيرها، لكنها كانت وتبقى دائماً هي الأكثر تعرّضاّ للتهجّم والتخوين من قبل جميع التيارات الأخرى، ذلك لأن الليبرالية تطرح خيارات مختلفة جذرياً عمّا تطرحه هذه التيارات، خيارات قائمة على اعتراف صعب نفسياً بكون الحضارة الغربية، بكل ما فيها من إشكاليات ونواقص، هي الحضارة الوحيدة القائمة والفاعلة في العالم اليوم، وأن الصراع الحقيقي الدائر هو صراع مصالح بحت ما بين نخب نافذة مختلفة تعمل وتتحاصص ضمن إطار حضاري واحد، وأن البعد الداخلي لهذا الصراع في منطقتنا هو صراع على نوعية الرؤية المناسبة التي يمكن أن تسمح لنا ببناء مستقبل أفضل لنا ولأولادنا.

لقد بات للرؤية الليبرالية وجودها الملحوظ على الساحة، وإن بقي ضعيفاً نسبياً، وباتت معالمها أوضح مما كانت عليه في السابق، ولاشكّ في أنها ستصبح أكثر من أي وقت مضى عرضة للتهجّم والانتقاد، خاصة مع دخول منطقتنا، والعالم، في مرحلة جديدة من الصراع، تتم خلالها إعادة صياغة الكثير من المفاهيم والوقائع المُعاشة، علاوة على إعادة رسم ملامح المنطقة.

لا وجود في التاريخ لسيادة مطلقة، والواقع الذي نعيشه اليوم بات أكثر تعقيداً من أن نستمر في الكلام عن "داخل" و"خارج" وكأنهما حقيقتان منفصلتان، بل ربما أصبح من الأنسب أن نتكلّم عن صيرورة مشتركة وتفاعل مستمرّ بين مكوّنات مختلفة تداخلت حدودها وتشابكت سياداتها واقتصادياتها ومصالحها، وقامت فيها مؤسّسات وشركات وحركات عابرة للحدود هي أقوى وأكثر نفوذاً من كثير من الدول، وانتشرت فيها تقنيات لا تعرف الحدود أصلاً، مثل الأقنية الفضائية والهواتف الجوالة والشبكة العنكبوتية، وربما أصبح لزاماً علينا أن نعترف بأن الوطن لم يعد كما عهدناه، لم يعد كياناً جغرافياً محضاً، بل بات ولأول مرة في التاريخ فكرة لا تعرف حدوداً، ولاترتبط بمواقع محدّدة، ولا بثقافة أو لغة أو قومية معينة. الوطن اليوم هو حيث تحترم حقوقنا ويكون لنا قدرة حقيقية على التأثير على القرارت المصيرية التي تؤثر على نوعية حياتنا ووجهة مسيرتنا الخاصة كأفراد وجماعات، وكأعضاء في عائلة إنسانية واحدة، أصبح مصيرها اليوم أكثر تشابكاً وترابطاً من أي وقت مضى، وبالتالي ما يزال الوطن اليوم مشروعاً قيد الإنجاز، وما الدول التي نقطن فيها اليوم إلاّ أقاليم ومناطق في هذا الوطن.


 ملاحظات

[1] إن مفاهيم مثل الجمهورية الإسلامية والانتخابات الحرة والبرلمان أو مجلس الشورى لم تكن ناتجة عن أية تفاعلات أو صيرورات  داخلية للمجتمعات الإسلامية، وهي لم تظهر على الساحة إلا نتيجة الاحتكاك بالحضارة الغربية، وإذا ما استطاع المنظّرون الإسلاميون أن يجدوا لها سوابق وركائز فكرية وتاريخية إسلامية ما فهذا لا ينفي عنها منشأها الغربي، ويبقى الواقع أن منظّري الفكر الإسلامي المعاصر لم يأتوا بهذه المفاهيم نتيجة قراءتهم لتاريخهم وكتبهم المقدسة وتفاعلهم مع واقعهم، بل نتيجة احتكاكهم بالغرب. وإذا استمرّ بعض الإسلاميين بالكلام عن الأمة والخلافة، فإن هذا الكلام يبقى نظرياً، أماعلى صعيد الواقع العملي، فالساحة الوحيدة للعمل السياسي المفتوحة أمامهم لطرح أفكارهم تبقى مرتبطة بقدرتهم على الدفع باتجاه تبنّي مبدأ الانتخابات والعمل البرلماني والحزبي والنقابي، إلى آخرها من مؤسّسات ومفاهيم برزت على صعيد الواقع المعاصر من خلال التجربة التاريخية الخاصة للغرب.

والأمر نفسه ينطبق أيضاً على ما يسمى بالنظام المصرفي الإسلامي، الذي تنامى الاهتمام به مؤخراً نتيجة تأثّره المحدود نسبياً حتى اللحظة بأزمة الائتمان العالمية، إذ لم يظهر هذا النظام إلى حيّز الوجود إلاً بعد الاحتكاك بالحضارة الغربية ونظامها المصرفي، ولايوجد أي فرق حقيقي بينه وبين النظام المصرفي الغربي التقليدي إلا من منطلق المسمّيات. ويكمن سرّ نجاح هذا النظام مؤخّراً في سياسات البنوك الإسلامية المالية المحافظة والتي، بخلاف السياسات التي اتبعتها البنوك العالمية في العقدين الأخيرين، تحبّذ تجنّب المخاطر، من منطلق العقلية السائدة بين الأوساط المالية في المنطقة التي تميل بطبيعتها إلى الاستقرار والمألوف وتفضّل تجنّب المغامرة والتغيير وفقدان السيطرة، وهي الفلسفة التي قامت عليها أساساً المدرسة المصرفية الغربية بشقها التقليدي. فلا يوجد هنا إذاً أي "عامل" إسلامي يمكن أن نشير إليه ونقول هذا هو العامل الذي كان مسؤولاً عن إنقاذ النظام المصرفي الإسلامي من الأزمة العالمية الحالية، والدليل على ذلك هو نجاة معظم المصارف الآسيوية والهندية والبرازيلية بدورها من أزمة الائتمان العالمية، تماماً بسبب سياساتها المالية المحافظة وتجنبها للمخاطر.

[2] إن النظر إلى المغامرات الاستعمارية والاستيطانية التي تمّت باسم الإسلام على أنها فتوحات مجيدة ومشروعة، مع الاصرار على النظر إلى التجارب المثيلة التي قام بها الغرب، والحضارات الشرقية الأخرى، في مراحلهم التاريخية المختلفة على أنها احتلال، والسعي إلى نشر الدين الإسلامي من منطلق الدعوة في ذات الوقت الذي ترتفع به الأصوات مطالبة بتطبيق حدّ الردّة على كل من غيّر دينه من المسملين، بما في ذلك من نفي عملي لحقّ الآخرين في الدعوة إلى معتقداتهم، دلائل حقيقية على تعمّق النظرة الفوقية للإسلاميين. لكن، وإذا ما كانت رغبة المسلمين في التعايش السلمي مع الآخرين حقيقية، فهناك أمور ليس بوسعهم أن يحلّوها لأنفسهم فيما يحرّموها على الآخرين، أو يدينوها في الآخرين ولا يدينوها في أنفسهم، خاصة في وقت وصل الغرب فيه بالفعل إلى هذه المرحلة من التطوّر الحضاري والوعي التي تسمح له بإدانة تصرّفات وممارسات معينة كجرائم بحد ذاتها وذلك بصرف النظر عما إذا كانت تُرتكب ضدّه أو باسمه ولصالحه، وهناك أصوات كثيرة فيه تدين عنصريته وممارساته الخاطئة وتضع لها حداّ في الكثير من الأحيان عن طريق الانتخابات، والقضاء، وسنّ القوانين، بل وأساليب العصيان المدني المتنوّعة إذا لزم الأمر. إن الأنظمة الديموقراطية التي تبنّاها الغرب لا تعصمه عن الخطأ بالطبع، لكنها تزوّده بآليات مناسبة لتصحيح المسار وتدارك الكثير من الظواهر الخطيرة قبل تفشّيها. وفيما يبدو، ما تزال الهوّة التي تفصلنا عن هذه المرحلة من الوعي شاسعة، خاصة في وقت ما تزال فيه الكثير من نخبنا الفكرية بعيدة أشدّ البعد عن تمثّل وبثّ المفاهيم المتعلّقة بقبول الآخر بكلّ ما فيها من مضامين وانعكاسات على الواقع العملي المعاش. ومع ذلك، يشكّل ردم هذه الهوة أحد التحديات الأساسية التي يتوجّب علينا مواجهتها. 

[3] أما الانفاق الأجنبي الذي تمّ تحت الاحتلال، فلم يكن خارجياً من الناحية التقنية، وكانت له أهداف ومسوّغات مختلفة لما نحن بصدد مناقشته هنا.

[4] إن التركيز هنا على الخبرة العملية التي كوّنتها النخب الليبرالية في علاقتها مع الغرب ومؤسّساته لا يهدف إلى نفي وجود خبرة مماثلة عند أتباع التيارات اللأخرى، إذ شهد العقدان الأخيران على وجه التحديد تفعيلاً واضحاً لتواجد العناصر الإسلامية واليسارية والقومية على الساحة السياسية والمدنية في الغرب، بل ربما كانت الأعداد هنا أيضاً تبقى في صالح أتباع هذه التيارات. لكن هناك فرق نوعي بين مشاركة العناصر الليبرالية في عملية صنع القرار الغربي ومشاركة العناصر الأخرى في ذلك، والتي تجبرهم رؤيتهم العقائدية للأمور على العمل ضمن دوائر ضيقة أكثر قدرة على التأثير على القرار الأكاديمي منها على القرار السياسي. فالمشاركة هنا لا تنبع ولاتعبّر عن انفتاح على الغرب وتقبّل لحضارته وثقافته بل عن استمرار للرفض من خلال التعاون مع العناصر الداخلية الأكثر سلبية في تقييمها للمسيرة التاريخية الغربية، خاصة في طورها المعاصر، فيتم التعامل مع هذه العناصر فقط، ومن منطلق كونهم شهوداً على الغرب ليس إلاّ، أي من منطلق "فشهد شاهد من أهلها،" و "من أفواههم ندينهم." وما هكذا يكون الانفتاح والتفاعل والتشارك.