الأربعاء، 22 مايو 2013

مَنْ خَالَفَ عَقْلَهُ خَالَفَ رَبَّهُ


لايحقّ لأيّ كان أن يفرض على الآخر أيّ معتقد يخالف معطيات عقله وضميره وإن باسم الشرع، لأن أساس الشرع فيما يتعلّق بحقّ الإنسان في التعبير والمعتقد يستند إلى مقولة "لا إكراه في الدين،"  وأساس مسؤولية المرء أمام الخالق يقوم على التذكير بأن "لا تزر وازرة وزر أخرى." مما يعني أن مسؤولية المرء النهائية أمام الله والقانون تقتصر على أعماله وخياراته فقط، ولاتشمل تصرّفات الآخرين، كائناً من كانوا. وقد تقع عليه أيضاً مسؤولية الدعوة، من منطلق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكن الدعوة شيء والإكراه شيء آخر، وكل ما يتجاوز الدعوة يشكّل تعدّ على حقّ الآخر وخرقاً لتعاليم الله.

وبالتالي تشكّل الدعوة إلى فرض الشريعة الإسلامية على المواطنين، بصرف النظر عن انتماءاتهم ومعتقداتهم وإرادتهم، بحجّة حقّ الأغلبية أو الإرادة الربانية، خرقاً لتعاليم الدين الحنيف وليس فقط للشرعة العالمية لحقوق الإنسان. ففي كل ما يتعلّق بخيارات المرء في المأكل والمشرب والملبس والمعشر والمعتقد تتوقف إرداة المرء وحقّه عند حدود كيانه الفردي الخاص، ولايحقّ له تجاوزه حتى باسم الله والشرع. إذ كيف يمكن أن يكون للمرء دينه وللآخرين دينهم إذا ما فرض طرف تعاليم دينه على الطرف الآخر؟ وكيف يمكن للمرء أن يكون مسؤولاً عن آرائه وتصرفاته أمام الله والقانون إذا لم تكن له الخِيَرة فيها؟

وفي الواقع، تشكّل مقولتا "لا إكراه في الدين" و "لا تزر وازرة وزر أخرى" ركنين أساسيين من أركان الدولة المدنية ودولة العدالة، فبعد بلوغ سنّ الرشد يصبح كلّ امرء مسؤولاً عن أفعاله وخياراته أمام الله والقانون، بصرف النظر عن الضغوط الاجتماعية والظروف المخفّفة، وينتهي عند هذا السنّ حق جيل الأهل في فرض إملاءتهم على الأجيال القادمة، لأن مسؤولية الأهل أمام الله والقانون تنتهي عند هذا الحدّ أيضاً، بصرف النظر عن مشاعرهم ورغباتهم.

لقد وضع الشرع حدوداً لنفسه ليراعي من خلالها حقّ الأفراد في الاختيار، لكن الكثير من أتباعه لايرون هذه الحدود لأنهم لم يتعلّموا بعد التفرقة ما بين القواعد العامة التي تتعامل مع البشر كبشر قبل أن يكونوا أتباعاً لدين بعينه، وبين التفاصيل المخصّصة لمن اعتنق هذا الدين بكل ما فيه. ولعلّ أولئك الذين نصّبوا أنفسهم "علماءاً"  و "أولياء أمر" هم أقل الناس رغبة في التفرقة ما بين الخاص والعام لما في ذلك من تحديد وتأطير لسلطتهم.

لكن الحاكمية في حياتنا الدنيا ليست لله، ولا للناطقين باسمه من علماء وأولياء الأمر، كما يُشاع، ولايمكنها أن تكون، بل هي للعقل والضمير، ولاينبغي لها أن تكون إلا لهما. فالله نفسه وفي كل الكتب المقدّسة المنسوبة إليه يحتكم إلى العقل والوجدان، لأنه ما خلقهما إلا لذلك. وبما أن العقول تتفاوت في قدراتها وغالباً ما تصل إلى نتائج مختلفة، خاصّة فيما يتعلّق بالغيبيات، وطالما أن الله نفسه قضى ألا يحكم فيما اختلف فيه البشر حتى يوم الدين، تاركاً لكل امرء الحقّ في اختيار دينه، لاينبغي لأحد أن يفرض دينه، أو التعاليم والشرائع المنبثقة عن دينه، على آخر تحت أية حجّة أو ذريعة. وما لنا في الحياة الدنيا من مناص غير الاحتكام إلى العقل والضمير للاتفاق على التوازنات السياسية والاجتماعية المناسبة لأوضاعنا كشعوب فيما يتعلّق بطبيعة النظام الحاكم المنشود.

إذ لا يمكن للقوانين التي تحكم الفضاء العام أن تكون عادلة إذا ما استندت بالمطلق إلى الشرائع المنبثقة عن التعاليم الدينية لطرف بعينه فقط. وفي الواقع، تستند الشرعة العالمية لحقوق الإنسان إلى دراسة معمّقة لكلّ ما سبق من أديان وشرائع، وبالتالي، لايشكل اتخاذها وغيرها من القوانين والمعاهدات الدولية كمراجع أساسية لصياغة القوانين التي تحكم بلادنا تغييباً للشريعة الإسلامية، بل هو استحضار لمراجع ومصادر إضافية للتشريع لها مريدوها في ربوعنا، لتتحقّق بذلك العدالة بالنسبة للمكوّنات الأخرى في مجتمعاتنا والتي لاترى في الشريعة الإسلامية مصدراً مناسباً أو كافياً للتعامل الناجع مع تطلّعاتها في حياة كريمة، أو منسجماً مع مُعطيات عقولها وضمائرها.

ليس من العدل أن نجبر أياً كان على مخالفة معطيات عقله وضميره، فمن خالف عقله خالف ربه، لأن الله أمر بتحكيم العقل وإن أدى إلى نتائج خاطئة في الكثير من الأحيان. فالإنسان غير معصوم، لكن الاستمرار في تحكيم العقل واحترام حرية المرء في ذلك ووضع آليات مناسبة للحوار والتعايش وصوغ السياسات، تشكّل وسائل ناجعة من شأنها أن تحدّ من نسبة وقوع الأخطاء وتوجد طرقاً مناسبة للتعامل معها عند وقوعها. إن إرادة الله الحقيقية لا تتجلّى في الجزئيات بل في القوانين والقواعد العامة وهي في أساسها تدعو إلى تحكيم العقل والضمير.