السبت، 31 يوليو 2010

الدولة الحديثة في منظوري الشخصي


الدولة، الدولة، الدولة – ذلك الكيان الغرائبي الذي يرغب الكل في رضاه وفي السيطرة عليه في آن، ذلك التجسيد الدنيوي للإله للمتعالي الذي يثيب ويعاقب، ويرحم ويعذّب على شروطه وهواه، بغض النظر عما نجده في النصوص الدينية والشرائع، فللناس على أرض الواقع، لافي مجتمعاتنا الشرقأوسطية فحسب بل وفي شرائح اجتماعية كثيرة في المجتمعات الأكثر الديموقراطية، طريقة في التعامل مع الواقع تختلف جذرياً عن المثل التي تدّعيها يغلب عليها طابع الاستبداد، الأمر الذي غالباً ما ينعكس على رؤيتهم السياسية للأمور، مما يحوّل الدولة إلى مركز تجاذبات واصطفافات واستقطابات سياسية لاتنتهي.

لكن، وإذا لم يكن للدولة مهرب من التعامل مع كل هذه الضغوط حتى في حالة المجتمعات الأكثر وعياً فيما يتعلّق بالمثل والقيم الديموقراطية والحداثية، أرى، مع ذلك، أن الوقت قد حان للفصل مابين الدولة والعقائد بشكل عام، سواء كانت سياسية أو دينية، والنظر إليها كمؤسّسة خدمية خالصة منوطة بوظائف ومهمّات بعينها تهدف إلى تحقيق مصالح عامة والحفاظ على الحقوق الخاصة مع الاستيعاب المستمر لواقع دائم التغيّر، دون الدخول بشكل مباشر في الأزمات الناتجة عن صراعات عقائدية بحتة لتنتصر لفريق على آخر. 

ومن هذا المنطلق أرى أنه ليس من وظائف الدولة أن تقرّر ماهية الفكر الذي يجب مكافحته أو مساندته، فللدولة أن تتعامل مع الممارسات فقط، وذلك على أساس قبولها الواضح والصريح بمبدأ الحريات الفردية كحرية الرأي والتعبير والتجمّع، إلى غيرها من الحريات المنصوص عليها في الشرعة العالمية لحقوق الإنسان وغيرها من الاتفاقات الدولية. وبالطبع، لن يكون من السهل دائماً على الدولة أن تحدّد الخطوط الفاصلة ما بين الفضاء العام الذي يُسمح لها بالعمل فيه وتنظيمه، والفضاء الخاص الذي يتوجّب عليها الابتعاد بل الدفاع عنه، لكن تبقى هذه ماهية التحدّي الأساسي في علاقة الدولة مع مواطنيها بميولهم وأفكارهم المختلفة. وهذا التحدّي يواجه كل الدول سواء كانت ديموقراطية أم استبدادية، لكن لطريقة الدولة في التعامل مع الحريات الأساسية لمواطنيها انعكاساتها الحقيقية والمحسوسة على نوعية الأفكار المنتشرة بين صفوفهم. فهل كانت الأفكار المتشدّدة والظلامية لتنتشر في سورية مثلاً لو لم يكن النظام الحاكم فيها استبدادياً وفاسداً؟ وأليس بوسعنا أن نجد روابط واضحة ما بين الخطاب الإيديولوجي العلماني اليساري القومي الذي استخدمه النظام لتبرير سلطته، وتلك الأفكار التي تبنّتها الكثير من الشرائح المتضرّرة من سياسات النظام المستندة إلى هذا الخطاب؟ ألا يكفينا هذا درساً حول أهمية عدم إقحام الدولة في عمليات الاصطفافات الفكرية والإيديولجية والعقائدية في المجتمع؟ وألا يوجد في تاريخنا الطويل أدلّة كثيرة حول صعوبة إختفاء الأفكار من مجتمعاتنا بعد نجاحها في اجتياز مرحلة جنينية معينة؟ وألا يعني هذا أن الدور الأساسي للدولة، عندنا على الأقل وفي هذه المرحلة الحرجة من تطوّر وعينا المجتمعي والسياسي، هو إيجاد صيغ تعايش وتفاعل سلمي بين مكوّنات فكرية متناقضة ومتناحرة، صيغ تمكّنها من تفعيل الطاقات الخلاّقة لهذه المكوّنات على الرغم من تناقضاتها، أو ربما استناداً إلى تناقضاتها، بما يكفل انطلاق واستدامة عمليات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والدولتية؟

ربما تكون السياسات الديكتاتورية الطابع لمصطفى كمال قد نجحت في تكوين تيار علماني شعبي في تركيا، ولكن، هاهي التيارات الإسلامية تعود فتفرض نفسها على الساحة وبوسائل ديموقراطية وقانونية الطابع، في معظم الأحيان، متحدّية وبقوة التُركة الكمالية في تركيا وعلى جميع الأصعدة. وإذا كان هناك بعض التلاعب من وراء الكواليس، فهو لا يقارن بحجم التلاعب الذي جرى من وراء وأمام الكواليس أبان الحكم الكمالي. ومايزال السؤال المتعلّق بدور الإسلام في تحقيق الهوية التركية مطروحاً وبقوة على الساحة التركية بالنسبة لأغلبية الأتراك، ومن الواضح أن كل الأجوبة الممكنة على هذا السؤال، من أكثرها تشدّداً إلى أكثرها انفتاحاً على قيم الحداثة ماتزال واردة. لذا، ونظراً للفشل النسبي للتجربة الأتاتوركية ذاتها، ربما كان من الأفضل لنا تجاهل الدعوات التي تطالب بنسخها في دولنا ومجتمعاتنا ذات الأغلبية العربية، إذ لاتهدف هذه الدعوات في معظم الأحيان إلّا إلى تبرير وإحكام قبضة الإجهزة الأمنية والعسكرية على آليات صنع القرار في أوطاننا.

وفي الحقيقة، إن بثّ الحداثة، بقيمها ورؤاها وأدواتها، لايتطلّب بالضرورة تبنّي آليات عمل استبدادية وقمعية، والتجربة العملية في مجتماعاتنا عبر العقود الماضية هي خير دليل على إخفاق الأنظمة الحاكمة في هذا الصدد، بل ونفاقها، حيث أنها سرعان ما ارتكست، بغض النظر عن طبيعة خطابها الإيديولوجي ووعودها المتكرّرة فيما يتعلّق بالتطوير والتحديث والعلمنة، إلى انتماءات عشائرية بحتة وإلى تبنّي آليات عمل وسيطرة أدّت إلى تحطيم بنية المجتمع المدني، ناهيك عن بنية "الهوية الوطنية،" من خلال القمع المستمر والاستعداد الدائم لعقد صفقات فاوستية مع أكثر التيارات والحركات ظلامية في مجتمعاتنا. والكلام هنا ليس عن التيارات السلفية بالذات والتي تؤدّي المظاهر المترافقة معها إلى تركيز الأضواء عليها في وقت لاتكاد فيه طائفة أو فئة أو تيار فكري في مجتمعاتنا يخلو من أصحاب العقليات المتحجّرة والنفسيات المتكلّسة التي لاتنضب جعبتها من المبرّرات والمسمّيات التي ترفض من خلالها عملياً إنسانية الآخر وتبرّر الحاجة للقمع وتجد له كافة أنواع المسوّغات، براجماتية كانت أو دينية أو ثقافية أو قومية.

وإن كان هناك أية مبررات ومدلولات لما سبق من طرح فهو التأكيد على ضرورة أن يكون العمل من أجل الدمقرطة والانفتاح السياسي أولويتنا الأساسية في هذه المرحلة من تاريخ وعينا الحضاري، وأن نسعى إلى بناء أكبر تحالف ممكن للقوى الفاعلة على الأرض لنعمل سوية لتحقيق الديموقراطية والحرية في مجتمعاتنا، إذ ربما نتمكّن من خلال هذا العمل المشترك أن نبني قواعد وضوابط للعيش المشترك أيضاً على الرغم من كل خلافاتنا الفكرية.

وعود على بدء، يتلخّص دور الدولة الحديثة الأساسي في نظري في:

1) تقديم خدمات مختلفة مثل الإشراف على بناء وتطوير وتحديث وتوسيع البنى التحتية.
2) السعي إلى إيجاد معادلات وصيغ للتعايش السلمي بين الأطياف المختلفة المشكلة للمجتمع، والسعي إلى الحفاظ عليها وتطويرها عندما تدعو الحاجة إلى ذلك لتبقى متسايرة مع المتغيرات والتطورات المجتمعية.
3) الدفاع عن الحقوق الأساسية للأفراد والجماعات.
4) حماية الوطن ككل من أي عدوان خارجي أو تهديد داخلي لكيانه، سياسي كان أو عسكري أو إجتماعي أو اقتصادي.
5) تنمية العلاقات مع المجتمع الدولي.

إلى غيرها من هذه الأمور الوظيفية البحتة.

لكن ليس من وظيفة الدول فرض قيم فئة اجتماعية على أخرى باسم الحداثة أو الإسلام أو الأصالة أو الانتماء القومي أو غيرها من المسمّيات. إن بثّ ثقافة حداثية هو مسؤولية من يؤمن بها، تماماً كما أن بثّ الإسلام هو مسؤولية المسلمين، فالدولة لا دين لها ولا عقيدة أو إيديولوجية سياسية ولا انتماء قومي، ولا يجب أن تخضع لتجاذبات وإملاءات التيارت الفكرية المختلفة. إن الدولة الحديثة مؤسّسة خدمية صرفة، وليست مصدراً للهوية. وإذا بدا في هذا الكلام فصل للدين عن الدولة بالنسبة لبعض الإسلاميين، فالأمر أعمق من ذلك بكثير في الواقع، إنه فصل للإيديولوجية برمّتها عن الدولة لكي تبقى مؤسّسة تسعى لحفظ التوازنات وضمان الحقوق الأساسية لجميع الأطراف على الساحة، ولا تنتصر لطرف على حساب آخر إلا من خلال القوانين المتفق عليها لإدارة الفضاء العام المشترك بين الجميع.